|
=دراسة في الصهيونية
/
اليهودية بقلم: روجيه غارودي |
1
- مقدمة
2
- اليهودية الصهيونية
3
- اليهودية "الدينية"
4
- إسرائيل التوراتية واسرائيل الحالية
5 -
الأسطورة اليهودية التاريخية
6 -
خرافة العنصرية العرقية
7 -
الخرافة التوراتية
8-
إسرائيل العنصرية: واقع استعماري
9-
سياسة إسرائيل الخارجية: التوسع
10-
إسرائيل الارهابية
11-
الخلاصة
1 مقدمة
اننا نعالج هنا موضوعاً "محرما " أي: الصهيونية و "إسرائيل".ففي فرنسا - مثلا - يمكن انتقاد الكنيسة الكاثوليكية او الماركسية، كما يمكن مهاجمة الإلحاد والقومية، وشتم نظام الحكم في الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة وجنوب أفريقيا، والتبشير بالفوضوية او بعودة الملكية، دون التعرض لمخاطر تتعدى الجدل او التفنيد المألوفين. اما نقد الصهيونية فانه يفضي بصاحبه الى عالم آخر، ينقله من عالم الأدب والفكر الى عالم التحقيق والقضاء…. فبموجب القانون الصادر في 29/7/1981، بشأن ذم اي شخص بسبب انتمائه لجنس او لعرق او لأمة او لديانة، يعرض كل انتقاد لسياسة دولة إسرائيل وللصهيونية السياسية التي تقوم عليها هذه الدولة، للمساءلة القضائية وهو الأساس هنا لانه لا يطال تصرفاً معيناً يدعو لتجريم صاحبه الان بتناول نقد المنطق البنيوي لدولة أرسيت أسسها على مبادىء الصهيونية السياسية ويؤدي على الفور، الى معاملتك كـ"نازي"… او معادٍ للسامية ويجر عليك تهديداً بالموت! ويستطيع كاتب هذا البحث الادلاء بشهادته حول ذلك ولطالما قد تعرض، لهذا السبب، الى ملاحقات قضائية واتهام "بالنازية" وتهديدات بالقتل. فما هو المسار الذي اتبع من اجل دراسة الصهيونية السياسية على صعيد الحروب الدينية؟ لقد قام على سلسلة من المداخلات والمتداعيات والاشتقاق في المعاني، كان بيغن قد دلل عليها في الشعار القائل "باستحالة التفريق بين المناهضة لاسرائيل، والمناهضة للصهيونية، والمناهضة للسامية". وهو شعار، بادر زعماء "المنظمة الصهيونية العالمية" الى تلقفه وترديده على مسامع الدنيا جمعاء ! وقبل اي فحص للنواحي النظرية والعملية في الصهيونية السياسية، لا بد من التدقيق في تحديد مجال نقدنا، وذلك بالتعريف بالموضوعات والتمييز بينها وهي:
- الصهيونية الدينية والصهيونية السياسية.
- الصهيونية واليهودية.
- إسرائيل التوراتية ودولة إسرائيل الصهيونية.
2 - الصهيونية السياسية:
ابتدعها تيودور هرتزل بناء على تعاليم اليهودية (1860-1904) وعكف في فيينا، منذ عام 1882 على تشكيل المذهب حتى انتهى من ارساء منهجه عام 1894 في كتابه عن "الدولة اليهودية" ثم وضعه موضع التنفيذ في المؤتمر الصهيوني العالمي الأول، بمدينة (بال) في سويسرا، عام 1897. هذه الصهيونية بالذات، بمبادئها ونتائجها، تشكل دون غيرها موضوع دراستنا… ومن المناسب هنا، ومنذ البداية، التعريف بها، بصورة دقيقة. ولكن وقبل ذلك نود ان نشير الى ان تيودور هرتزل معارض شديد لاولئك الذين يعرفون اليهودية على انها ديانة. فاليهود، بنظر الصهيونية السياسية، "امة" قبل اي شيء آخر وعلى كل حال وعند دراسة القوانين الاساسية لدولة إسرائيل، سنلحظ الغموض في التعريف "اليهودي" والتذبذب المستمر بين التعريف المبني على العرق، وذلك المبني على الدين .تيودور هرتزل لم يكن شاغله الاساسي دينياً، بل سياسيا، فقد طرح الصهيونية-اليهودية بناء على الايمان بأن
اليهود عبر العالم، وفي اي بلد يقطنون، يشكلون شعباً واحداً منفصلا وبأنهم غير قابلين للاندماج في الأمم التي يعيشون بين ظهرانيها نظرا للعداء الذي يكنه اليهود لهم . (وهذه من مسلمات كل العنصريين واللاساميين).ويمكن تلخيص النتائج العملية التي استخلصها تيودور هرتزل، والحلول التي طالب بها لوضع حد نهائي لهذا العداء والتنافر - بين اليهود وغير اليهود الذي هو كما رأى، تنافر دائم وقطعي - على النحو التالي:
1 - رفض الاندماج في المجتمعات الغير اليهودية.
2 - إنشاء "دولة يهودية" يتجمع فيها كل يهود العالم.
3 - هذه الدولة، ينبغي اقامتها في مكان "خال" وهذا المفهوم المميز للاستعمار الذي كان سائداً في تلك الحقبة، كان يقضي بعدم الاخذ بعين الاعتبار وجود مواطنين اصليين. وقد اعتمد هرتزل وقادة الصهيونية السياسية من بعده، على هذه المسلمة الاستعمارية التي سوف تتحكم بمستقبل المشروع الصهيوني كله، ودولة إسرائيل التي انبثقت عنه. اما المكان فلم يكن له اية اهمية في نظر تيودور هرتزل، الذي كان، كما سنتبين فيما بعد، امام ان يختار مقرا لشركته الاستعمارية ذات الامتياز وجنين الدولة المقبلة، بين الارجنتين وفقا لاقتراح البارون اليهودي هيرش وبين اوغندا، التي اقترحتها بريطانيا. وانه لأمر ذو مغزى ان يقوم هرتزل باستشارة "سيسيل رودس" الذي كان ينفذ مشروعه طابعا استعماريا، على حد تعبير هرتزل نفسه. غير ان هرتزل فكر بإيلاء فلسطين الافضلية بين الاراضي المرشحة لغرس الدولة اليهودية فيها، بناء على التعاليم اليهودية لاجتذاب "عشاق صهيون" اليهود.
في "تصريح بلفور" عام 1917، حينما اعلنت الحكومة البريطانية انها تؤيد اقامة "وطن قومي لليهود" في فلسطين، لا يلحق الضرر بالسكان الاصليين، بينما استغل زعماء الصهيونية هذا التصريح في اتجاه انشاء "دولة فلسطين اليهودية" بإلغاء كل وجود للسكان الاصليين، تأميناً لبسط سيادة الدولة اليهودية على فلسطين كلها.
يميز "برناد لازار" النزعة المعادية لليهودية الصادرة عن المسيحية، بشكل عام، والمستمرة منذ القرن الرابع الميلادي حتى منتصف القرن التاسع عشر الاخير، عن ظاهرة مناهضة السامية، وقد ظهرت هذه التسمية لاول مرة، في كتاب صحفي من همبورغ هو "ولهلم مار" بعنوان "انتصار اليهودية على الجرمانية" عام 1873. كما ان معاداة المسيحية لليهودية هي من مخلفات الفكر القسطنطيني العقائدي والسياسي، الذي تبنته الكنيسة ضد اليهود لكونهم الشعب الذي اصبح - برفضه الاعتراف بان يسوع هو نفسه المسيح -هو الذي قتل المسيح. وحول هذا، يقول برنار لازار:
- "لقد انعزل اليهود وراء اسوار كان قد رفعها حول "التوراة" (اسدراس) والكتبة الاولون (دبر سوفريم) والتلموديون ورثة اسدراس، ومشوهو الموسوية الاولى، واعداء الرسل" وهذا، خلافاً للموسوية الحقيقية، التي اصطفاها واكبرها ارميا، واشعيا." ويضيف برنار لازار قوله بان خطورة هذه العزلة قد تفاقمت بسبب طبع فريد يتسم به اليهودي، ويدفعه الى التباهي بامتياز توراته، وبالتالي، الى اعتبار نفسه فوق البشر ومغايراً لباقي الشعوب وقد عمل على ترسيخ هذا المسلك، حدة القومية المنتشرة في اوروبا خلال القرن التاسع عشر، "اذ رأى اليهود في انفسهم الشعب المختار المتفوق على الأمم كافة. وهذه صفة العصابات الطوائف المتطرفة في تعصبها القومي، في وقتنا الحاضرز هذا الانغلاق على الذات لم يكن جديداً. فقد حارب الحاخامات، "بتلموديتهم المتصلبة" جميع محاولات الانفتاح عبر العصور المتعاقبة وعمل التلموديون على ان يحصر اليهود دراساتهم في شريعتهم دون غيرها . وفي نهاية القرن، وبإيعاز من الحاخام اليهودي الالماني عشير بن يحيال، اتخذ مجمع سينودس وهو المكون من ثلاثين حاخاما، وقد انعقد في برشلونة برئاسة بن عزرا قراراً بتحريم كل يهودي دون الخامسة والعشرين من العمر، أن يقرأ كتباً أخرىغير كتب اليهود التوراة والتلمود" . ويلخص برنار لازار، ما ادى اليه هذا التيار، فيقول: "لقد بلغوا هدفهم وعزلوا اليهود عن مجموع الشعوب".
وسنرى ما عمدت اليه، حاخامية الاحزاب الدينية اليهوؤية اليوم في دولة إسرائيل، من حصر تلك القراءة "الانتقائية" المتعصبة للتوراة في النصوص التي تخدم غايات سياسية جديدة، ومن نجاحها في فرض توجيهاتها على الدولة. ويظهر برنار لازار صورة اخرى مزرية هي نتيجة للتقاليد الموروثة، فيقول: "من الحماقة جعل إسرائيل مركزاً للعالم وخميرة للشعوب، ومحركا للأمم. ومع ذلك، فالى هذا يسعى اصدقاء اليهود واعداؤهم، اذ هم يسرفون ويغالون في تقدير اهمية إسرائيل، سواء كانوا من امثال (بوسويه) او (درومون). وفي "عرض تاريخ الكون" يشير بوسييه الى يهودا بأنها مركز العالم. لذا، فان لجميع احداث التاريخ ولقيام الممالك وسقوطها سبباً وحيداً محصوراً في ارادة رب اليهود لنصرة إسرائيلو اليهود المكلفين بقيادة البشرية الى مبتغاهم الاوحد: هو انتصار اليهودعلى غير اليهود لاخضاع جميع شعوب العالم للهيمنة الصهيونية!
ويكفي هذا أساسا لصحة "بروتوكولات حكماء صهيون" التي تنسب الى المؤتمر الصهيوني العالمي في بال، عام 1897، بغية تعزيزا للاعتقاد بوجود "تآمر" يهودي يرمي الى اقامة سلطة يهودية عالمية، تمثل انتصار الشر في دنيانا. وهذا يسير في خط مواز تماماً لمفاهيم بوسييه ونحن، حينما نتصدى مع برنار لازار للتيارات الفكرية اليهودية التي تبرز الاستثنائية اليهودية (وليس الشمولية)، وعقلية الغزو والسيطرة المستقاة من ملاحم يوشع وتمييز (اسدراس) العنصري، والميل لجعل إسرائيل مركزاً للعالم ولتاريخه تدعيما لاستنتاج صدور الفساد الصهيوني عن آفة اساسية كامنة في صلب الديانة اليهودية. فقد قامت عبر مسار اليهودية نزعات الى التطرف والانغلاق والاصولية يستغلها اليوم اشد الصهاينة تعصباً في يهودية لا يؤمن بها معظمهم و تلك القراءة الانتقائية للتوراة اليهودية، تلك القراءة التي تعزل اليهود عن بقية الشعوب. وكنت قد ذكرت في مكان آخر: "ان من كبريات مآسي الدولة الاسرائيلية الحالية خضوعها لاحكام الحاخامات المتطرفين، في وقت تحتاج فيه الى رسل" .
وتشكل الصهيونية السياسية تعسفاً قومياً واستعمارياً يدين بالتوجيه للقومية والنزعة الاستعمارية المنتشرتين في اوروبا خلال القرن التاسع عشر، كما انها تستخدم القراءة الانتقائية والقبلية للتوراة، بتحول صريح عن صراط الله ، لتزوير مقاصدها السياسية وتمويهها.
4 - إسرائيل التوراتية واسرائيل الحالية
يتخذ استخدام الحجج التوراتية ابعاداً جديدة في هذه المرحلة من تاريخ الدولة الصهيونية.. ويمكن تسمية هذه المرحلة بمرحلة الصهيونية العسكرية ففي الوقت الذي تنفق فيه إسرائيل ـ وفقاً لتقرير البنك الدولي ـ ثلاثين بالمئة من صافي ناتجها القومي، على جهازها العسكري (على سبيل المقارنة) فان معدل مثل هذا الانفاق لدى دولة حلف الاطلسي لا يتعدى 4 % … وفي وقت بات الهدف المعلن لهذه العسكرية الضاربة، ليس الدفاع عن إسرائيل، بل تفتيت جميع الدول العربية استناداً لتصريح آرييل شارون نفسه، وطبقاً لمشروع الحركة الصهيونية كما سنرى في الصحفات القادمة، في هذا الوقت، يجري الاستناد الى نصوص توراتية لتبرير امرين في آن واحد:
- التوسع المستمر في الحدود.
- والطرق التي تتبعها الدولة في التقتيل والارهاب.
وهذه الواقعة في حد ذاتها، ليست جديدة . فقد سبق لبن غوريون في عام 1937.ان رسم حدود إسرائيل مستنداً لنص "توراتي" يقضي بان تضم "ارض اسرائيل" خمس مناطق:
1 - جنوب لبنان، حتى نهر الليطاني، (او ما يسميه بالجزء الشمالي من إسرائيل الغربية).
2 - جنوب سوريا.
3 - شرقي الاردن (او ما يعرفه اليوم بالاردن).
4 - فلسطين (التي يدعوها بأرض الانتداب البريطاني).
5 - سيناء.ووفقاً لهذا المخطط، يفترض ان تمر الحدود الشمالية بخط عرض مدينة حمص السورية، التي ماثلها بمدينة حماة، المشار اليها في (سفر الاعداد) كحد شمالي لأرض كنعان. وثمة صهاينة آخرون، "توراتيون" متحمسون ظاهرياً فقط، يطابقون بين حماه وحلب، بينما يجعلها غيرهم في تركيا.. اما الحاخام "أدين شتنسالز"، المقرب من حزب "شلي"، فقد طالب خلال ندوة كان "سارتر" قد عقدها في إسرائيل، "بحقوق تاريخية" لليهود في جزيرة قبرص - وفي عام 1956، اعلن بن غوريون، وسط تصفيق مجلس الكنيست وتهليله ان سيناء كانت تشكل جزءاً من مملكة داوود وسليمان. وبعد قيام الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفياتي، خلال الهجوم على قناة السويس، بعملية كبح الجماح، ارجىء البحث في تلك الجغرافية التوراتية الى ان طغت على سطح الاحداث عام 1967، وحيث حددت ارض الميعاد على الشكل التالي: نهر الفرات ونهر مصر (حسب- التوررات اليهودية - سفر الاعداد) - وهو الاخير - بين ان يكون: نهر النيل (ولكن اي فرع منه؟) او وادي العريش ) وفي ظل هذا المفهوم المطاطي للحدود، يستعان دائماً بالتوراة لإضفاء الشرعية سلفاً على اي عدوان مبيت او لتبرير اي الحاق او ضم للاراضي. وفي المرحلة الراهنة من التوسع الصهيوني تم اشراك الخيال المريض المهيمن على حاخامات "الاحزاب الدينية" من غلاة المتعصبين للغزو نظراً لمساعدتهم في تبرير اشد مطالب المتطرفين تعسفاً واستبداداً. وليس من قبيل المصادفة ان يقرر بيغن خلال الحملة الدموية على لبنان، ايقاف رحلة شركة العال ايام السبت احتراماً للعطلة المقدسة. ومثل هذه الضمانات المقدمة للمتطرفين، تعوض بسخاء على صعيد المبررات الايديولوجية: فلا يكفي ما تم احتلال من لبنان كأرض "قبيلة آشور" بل اضفيت القداسة على المذابح من اجل ضرورات القضية. ولم يكن تدمير مدينتي صور وصيدا، ودك بيروت بالقنابل، ومجازر مخيمي صبرا وشاتيلا، امتدادا لمذابح دير ياسين، التي ارتكبتها عصابة بيغن (ارغون) عام 1948، ولمذابح قبية، وكفر قاسم، وقتلة "الوحدة 101" بقيادة ارييل شارون، بل وجد ذلك كله نصيباً من اكاليل الغار… لان الدولة القائمة حالياً في إسرائيل برسالة إسرائيل التوراتية، انما تكرر الحركة المقدسة التي سبق لاسرائيل التوراتية ان قامت بها في استئصالها لشأفة الكنعانيين، بسلوكها اليوم مع العرب نفس السبيل الذي سلكته مع الكنعانيين وغيرهم من شاغلي هذه المنطقة السابقين حيث تقول التورات اليهودية:
"ان مدن هذه الشعوب، االمعطات اليك من ربك التي لن تدع مخلوقا حياً (من غير اليهود) يعيش فيها. بل ستجعلها محظورة على الحثيين، والعموريين، والكنعانيين، والفريزيين، الذين ستبيدهم جميعا كما امرك الرب مولاك"
. وفقاً لعزرا ونحميا وكما نصت عليه قوانين محكمة نورمبرغ العنصرية: يعتبر يهوديا كل من ولد من ام يهودية (برهان عنصري)، او من اعتنق الدين اليهودي (برهان لاهوتي) لا يستطيع ان يستفيد من "قانون العودة" ومن المزايا المترتبة عليه في دولة إسرائيل سوى من تنطبق عليه هذه المعايير. هذا اذن لا ينطبق فقط على مجرد تعريف عنصري، بل على تمييز عنصري لان الانتماء الى مجموعة عرقية معينة - كما سنرى فيما بعد - ينطوي اما على امتيازات او انتقاصات. والعنصرية لا تقوم على اي اساس علمي. فمن وجهة النظر البيولوجية، تبين عدم امكان تطبيق النظرية القديمة حول "الدليل الدماغي" وهي نظرية تميز بين ذوي الجماجم المستطيلة، وذوي الاحجام الاخرى. كما ان علم الوراثة الحديث الذي يرى ان لبعض "الجينات" او المورثات تأثيراً على خصائص الخليط الدموي، قد اظهر بطلان المدلول البيولوجي للجنس والسلالة. والاسطورة البالية في سفر التكوين اليهودي التوراتي (10/18/27) استخدمت، كغيرها من الاساطير العنصرية، "لتبرير" الطبقية والتسلط ايضاً: فأبناء نوح الثلاثة الذين "عمروا الارض بنسلهم"، بعد خروجهم من الفلك، كانوا اصلاً: اسيويين (من سام) واوروبيين (من يافث)، وافارقة (من حام). وجرى تكريس الاخرين للعبودية والعنف. ورأت العصور الوسطى الاقطاعية في (حام) جدا أعلى لعبيد الارض، وفي (يافت) جد الاسياد، وفي (سام) جد العلماء، وهو يقف على رأس جميع الطبقات. ويؤكد "ليون بولياكوف" في كتابه عن (الخرافة الأرية الصادر سنة 1971) انه:
"وتمشياً مع التقاليد اليهودية (او بالأحرى الحاخامية) فان للحرب ذاتها قيمة، حتى ولو لم تقم صراحة كحرب دفاعية.. وفي مسالك "الخلاص" هذه بلغنا في لبنان مرحلة ارفع من مرحلة حرب الايام الستة بواسطة حرب لبنان هذه، كشفنا عن مدى قوتنا العسكرية… واننا مسؤولون عن النظام في الشرق الاوسط وفي العالم على السواء".
وامام هذيان جنون العظمة هذا لدى قوميي إسرائيل وعسكرييها، نتبين صدق نبوءة ومخاوف احد اوائل الصهيونيين "مارتن بوبر" وصاحب مؤلفات مثل: "الايمان اليهودي" و"الديانة التوراتية" و"الانسانية العبرية" و "إسرائيل والعالم"، وقد اشار في سنة 1958، في رده على بن غوريون في القدس عام 1957، قائلاً:- " لتحديد السبب الجذري لانحراف اسرائل التي جعلت منها الصهيونية بديلاً للدين و مذهباً لعبادة الدولة"
- "لقد اقتلعت جذور اليهودية الدينية.بقيام قومية يهودية في اواسط القرن التاسع عشر وهذا الشكل الجديد الذي اتخذته الرغبة فيالسيطرة على غير اليهود انما هو الخلفية البعيدة التي تخفي كل ما استقته اليهودية المعاصرة من قومية الغرب الحديثة. اذا فما هو دور "اصطفاء إسرائيل في كل هذا الاصطفاء؟" اوليس هو نوعاً من الاستعلاء، بل احساساً بالقدر والمصير.. احساس لا ينشأ من مقارنة بالآخرين، بل من نداء داخلي يحثه على الهيمنة و الافتخار بأنكم المختارون المصطفون، فان ما تفعلونه انما هو الغدر والخيانة" ثم ختم بوبر مشيراً الى "ازمة القومية" في الصهيونية السياسية، الازمة المفسدة ، فقال:- "كنا نأمل ان ننقذ القومية اليهودية من خطأ تحويل الشعب الى معبود… فأخفقنا…"
و(مارتن بوبر) هو واحد ممن كان تعلقهم بأرض صهيون متقد الحماسة، وقد اوضح ذلك في رسالة كتبها عام 1939 الى غاندي، الذي كان قد تساءل عن سبب عدم شعور الصهيونيين بترابطهم من اجل محاربة الطغيان والاضطهاد مع اي شعب ينتمون اليه وفي اي موطن ولدوا فيه.. بدلاً من البحث عن "وطن قومي" آخر. اجاب (بوبر) بان العقيدة اليهودية لا تستطيع العيش الا في نطاق تجمع طائفي تطبق فيه احكامها الخاصة، فوق ارضها الخاصة: "الاساسي، بنظرنا، ليس وعدا بأرض، بل مطلباً يرتبط تحقيقه بالارض وبوجود مجتمع يهودي في هذه البلاد". كما اجاب هذا ما اجابه بوبر على غاندي القائل بان فلسطين هي للفلسطينيين ا لعرب، وبانه من "الظلم واللاإنسانية فرض سيطرة يهودية على العرب".
و هذه صرخة صادقة، اثناء الهجوم الاسرائيلي الذي ارتكب المذابح في لبنان.. هي صرخة الاستاذ (بنيامين كوهين) من جامعة تل ابيب الى (فيدال ناكيه) يوم الثمن من حزيران 1982:
- "اكتب اليك وانا استمع الى مذياعي الصغير يعلن باننا على وشك تحقيق هدفنا في لبنان.. الا وهو: توفير السلام لسكان الجليل اليهود. ان هذه الاكاذيب الجديرة بغوبلز تكاد تذهب بعقلي… اذ من الواضح ان هذه الحرب الوحشية، والاشد وحشية من كل سابقاتها، لا علاقة لها البتة بمحاولة القتل في لندن، ولا بأمن الجليل. ترى، كيف يستطيع اليهود ان يصلوا الى هذه الدرجة من الوحشية؟؟ الا يعني هذا ان اعظم انجازات الصهيونية انما هو بلوغ غرضهم المزدوج: "التصفية النهائية للفلسطينيين كشعب. وللإسرائيليين ككائنات بشرية" .
ويعتبر في الوقت الحاضر، كل من ينتقد سياسة الدولة الصهيونية في اسرائيل معادياً للسامية. وعلى هذا القياس يصح اتهام جميع الرسل الكبار: من عموس الى اشعيا، الى ميخا، الى ارميا.. كمعادين للسامية. لم يصطف القادة الصهيونيون الحاليون سوى ما من شأنه تبرير سياستهم: كحكاية المذابح التي ارتكبها (اشعيا) بين الكنعانيين.. لما فيها من تحريض لما يرتكب الآن من تقتيل للعرب في كل من فلسطين ولبنان. وابراز احكام عزرا (اسدراس) في وجوب التمييز العنصري وبسبب اختيار "الاحبار الذين يقتلون رسل الرب" وبسبب هذا التضليل، الذي يرى في كل انتقاد لسياسة الدولة الصهيونية في إسرائيل فعلاً معادياً للسامية، يمكن ان تنطلق حملة فعلية ضد اليهود. ومثلما يخشى اليوم ان يولد العداء الفعلي لليهد، ولا يقتصر هذا عند شجب سياسة العدوان وسفك الدماء. وباستطاعة آرييل شارون وحده ابتعاث المعاداة لليهود نتيجة لفظائعه.
لقد عمد شارون وزمرته - وبدعم من الحاخامات المتعصبين في "الاحزاب الدينية" الداعية "للحرب المقدسة" - الى الاقتباس القبلي من التوراة، والى الاستخدام الشاذ لفكرة "الشعب المختار" و"ارض الميعاد" لإفساد لتبرير الاغتصاب الدموي للحقوق الانسانية، باسم حق الهي مزعوم من اجل اضفاء هالة من القداسة على سياسة اجرامية. وتجنباً للوقوع في هذه الالتباسات الخطيرة بين:
سنحاول ازالة الوهم المحيط بالصهيونية السياسية، عبر تفحص الميثولوجيا التي تقوم عليها: كالأساطير المنسوبة زوراً الى التوراة.. ثم عبر الواقع السياسي الناشىء عن الحاجة الماسة، التي تشعر بها الصهيونية السياسية، لتوفير المسلمات الميثولوجية اللازمة مثل:
- السياسة الداخلية القائمة على التمييز العنصري.
- السياسة الخارجية المتمثلة في العدوان والتوسع من اجل فتح "مجال حيوي" لهجرة محتملة.
- العمل السياسي القائم على ارهاب الدولة.
الاسطورة التاريخية:
"هذه الارض هي الموطن التاريخي لليهود!…" هذا ما جاء في مذكرة المنظمة الصهيونية العالمية الى مؤتمر السلام في جنيف عام 1919. وكان اعلان قيام دولة اسرائيل في 14 مايو (ايار) 1948، قد اكد بانه "بموجب الحق الطبيعي والتاريخي للشعب اليهودي" قد انشئت هذه الدولة في فلسطين. وهذا المفهوم "للحقوق التاريخية" يرتبط دائماً، عبر الدعاية الصهيونية، بمفهوم "الوعد" بالأرض الذي يعطي للاسرائيليين: "حقاً الهياً" صريحاً في امتلاك فلسطين والسيطرة عليها. مع ذلك سنتناول المسألتين كلاً على حدة ذلك لان… التفريق بينهما سهل، نظراً لانه ليس هناك خارج نصوص التوراة، اية اشارة لروايات العهد القديم قبل القرن العاشر (قبل الميلاد)، لا في مدونات شعوب الشرق الاوسط، ولا في الحفريات الاثرية. بل ان عالماً، كالأب "ديفو"، حرص على انقاذ عراقة العهد القديم التاريخية، فقد اعترف، كغيره من الناس، بانه ليس هناك، خارج التوراة، "اية اشارة واضحة للعبريين واقامتهم بمصر، وخروجهم منها.. ولا حتى غزو ارض كنعان". ومن المشكوك فيه اكتشاف نصوص جديدة تبدد هذا الصمت. اما "الوعد" بأرض فلسطين - في صورته الراهنة - فلم يظهر الا في كتابات المنتفعين به. وكان مفسرون آخرون، طوال قرن من الزمان قد توصلوا ايضاً الى استنتاجات اكثر حسماً كما نلاحظ لاحقاً بصدد اسطورة "الوعد" في التوراة، لدى الكثيرين من امثال: فون راد. ونوث، وطومبسون، وفان سيتر، والبير دي بوري، وغيرهم… واول ما يلاحظ دونما تسليم او تفحص ناقد، لصحة الاجزاء التاريخية من العهد القديم، ان تاريخ العبريين - بدلاً من تشكيلة "محوراً" للتاريخ، كما تزعم نظرة الاستثناء التي تنادي بها الصهيونية السياسية وتساندها بعض التعاليم المسيحية - لا يبدو، في اي وقت من الاوقات، متميزاً عن تاريخ ممالك بلاد ما بين النهرين، والحثيين، والمصريين. وعند استعراضنا للمرحلة التاريخية التي تنوه اليها الوثائق المدونة، نتبين ما يلي: - العصر البرونزي القديم، في الالف الثالث ق.م، حيث ثبت، وعلى الاخص بعد اكتشاف الواح "ايبلا" عام 1976، وجود سابق في ارض كنعان لحضارة مدينة كبرى لدى الشعوب الناطقة بلغة العرب السامية: كالآرامية، ولغة كنعان التي يدعونها بـ"العبرية".- ثم المرحلة الممتدة ما بين 2200 و 1900 ق.م. والمتميزة بتسلل البدو الرحل.
- والسيطرة المصرية، اعتباراً من منتصف القرن السادس عشر ق.م. حينما جعل فراعنة الاسرة الثامنة عشرة من فلسطين "ثغراً مصرياً".
وهذه المنطقة الواقعة في قلب الهلال الخصيب، والممتد من النيل الى الفرات عبرت فيها وتمازجت مجموعات بشرية من كل نوع ودين… الى ان دخلها بدو او رعاة في سبيلهم الى الاستقرار، بحثاً عن المراعي، قادمين من بلاد ما بين النهرين او من شرقي الاردن، ليصلوا الى ارض كنعان في بداية الالف الثاني، في العصر البرونزي القديم، وليجدوا بين سكانها الاصليين اولئك الكنعانيين الذين اشادوا حضارة مدنية، وكشفوا، في نهاية الالف الثاني، عن معدن الحديد والكتابة الابجدية. وخلافاً للصورة التوراتية التقليدية، فان "العبرانيين" لم يشكلوا عنصراً متميزاً قبل دخول البدو ارض كنعان.. بل تشكلت تجمعاتهم من وحدات عرقية مختلفة، كانت جزءاً من هجرات بدوية واسعة (من الاموريين، او الآراميين، حسب قول الاب ديفو). وبين اولئك البدو الرحل استقر في ارض كنعان، فيما تابع الاخرون سيرهم الى ارض مصر.
هؤلاء البدو - ومنهم الذين عرفوا فيما بعد العبرانيين - اخذوا عن الكنعانيين لغتهم وكتابتهم، ومعتقداتهم… حتى حوالى (1400) ق.م. حينما سعوا الى مراع جديدة في مصر، مقتنين على الارجح اثر الغزاة الهيكسوس. وعندما طرد الهيكسوس من مصر، تأزم موقف الذين جاؤوا بحمايتهم وتمتعوا بالتالي بوضع مميز.. اذ اعتبروا اعواناً للعدو، وتم اخضاعهم لاحوال معيشية ازدادت قسوتها مع الايام. وهؤلاء الاخصام الهامشيون، الذين لم يكونوا يشكلون عرقاً معيناً، بل مجموعة من معارضي الفراعنة، عرفت باسم "عابيرو" (ومنه اشتق بلا شك اسم "العبريين" حسب رأي الاب ديفو) لم يروا بداً من الفرار من مصر ولا بد ان "خروج" هؤلاء الاتباع الساخطين كان مألوفاً وتافهاً الى حد ان الحوليات المصرية قد اغفلت كلياً ذكر هذا "الحدث الجاري" ولو في تقرير لأحد حراس الحدود (بينما تتوفر تقارير كهذه عن حالات "مرور" عديدة منذ القرن 19 ق.م.) ان عدد "المصادر" الوحيدة المتوفرة بين ايدينا خارج نصوص "العهد القديم" لا يتعدى عدد اصابع اليد الواحدة: فأقدم اشارة الى اسم "اسرائيل" هي المدونة على مسلة (حوالى 1225 ق.م.) تمجد انتصارات الفرعون (مرنبتا). وتذكر، دون تفاصيل اخرى، انه استولى على المدن الفلسطينية وهدم اسرائيل ايضاً: - "اسرائيل دمرت، ولم يعد لساكنيها من وجود!..". (كما يقول الاب ديفو في كتابه: "التاريخ القديم لاسرائيل" - الجزء الاول ص 366 - "لا يمكن ان يشمل "كل اسرائيل" ذات الاثنتي عشر قبيلة، التي لم تكن قد قامت بعد. بل انه يتعلق حتماً بجماعة محددة العدد"). كذلك هناك (400) لوح فخاري، تتابع اكتشافها منذ عام 1887 في تل العمارنة، العاصمة التي انشأها الفرعون امينوفيس الرابع (اخناتون: بين 1375 و1385 ق.م.) وتقدم لنا سجلاً لمراسلات الفرعون مع تابعيه من امراء فلسطين وسورية… وهي تخلو من اي ذكر لاسرائيل، رغم انها تحفل بمعلومات هامة عن دول المدن في ارض كنعان، وعن التنافس القائم فيما بينها. ومن الاثار التافهة، التي خلفتها اسرائيل في تاريخ الشعوب الاخرى نخرج باستنتاجين اثنين على الاقل: اولهما انه يستحيل اعطاء اسرائيل "حقاً تاريخياً" يعود، بالاحرى، لاول شاغلي ارض فلسطين… بينما نعلم بان القبائل، حينما وصلت الى فلسطين مع الموجة الآرامية، قد وجدت فيها "سكاناً اصليين" كنعانيين: كالحثيين حول "حبرون-الخليل" التي اسسوها، والعمونيين (حول عمان)، واهل مؤاب، شرقي البحر الميت، والادوميين في الجنوب الشرقي. في نفس هذه الفترة الزمنية جاء "الفلستينيون" من بحر ايجه، ليستقروا ما بين جبل الكرمل والحراء. اذن فأولئك المعروفون اليوم "بالفلسطينيين" ليسوا من سلالة العرب وحدها. بل ان العرب الذين جاؤوا الى فلسطين باعداد قليلة نسبياً في القرن السابع الميلادي، وادخلوا في الاسلام القسم الاعظم من السكان المحليين (بمن فيهم الاسرائيليون)، قد اختلطوا بهؤلاء عن طريق الزواج، واكسبوهم لغتهم العربية. وبعد ظهور العرب في فلسطين في القرن السابع، ظاهرة ثقافية اكثر منها عرقية. فالفلسطينيون "ينحدرون من الكنعانيين اي المواطنين الاصليين الذين يعيشون هناك منذ خمسة آلاف سنة على الاقل (منذ بداية التاريخ)، ومن الفلستينيين (الذين اعطوا للبلاد اسمهم: فلسطين) وكذلك ينحدرون من الفرس، واليونانيين، والرومان، والعرب، والاتراك، الذين احتلوا البلاد وحكموها بعد البابليين والحثيين والمصريين. "اذن فالشاغلون الاوائل" هم اولئك "الفلسطينيون" الذين يقيمون في بلادهم منذ فجر التاريخ.
والملاحظة الثانية المستنتجة من هذا التاريخ لفلسطين هي ان العبرانيين "عابيرو".. حينما اتوا من مصر في القرن 13 ق.م. واستقروا في فلسطين متسللين او غزاة (وسنعود الى ذلك عند الحديث عن روايات التوراة) ليسوا اكثر من غزاة بين آخرين امثالهم (كالبابليين، والحثيين، والمصريين، والفرس، واليونانيين، والرومان، والعرب، والاتراك، والانجليز). والحديث عن شعب اسرائيلي مكون من اتحاد قبائل ذات اصول عرقية متعددة لم يصبح ممكناً الا بعد الاستقرار في ارض كنعان حوالى القرن 13 ق.م. وتزايد المراجع المؤيدة لتلك الاحداث، بينما لا يوجد اية وثيقة غير توراتية، تشير الى التاريخ الاسبق. (وابلغ مثال على ذلك ان اسم "داوود نفسه وتاريخه، غير واردين في اي مصدر خارج التوراة، لا في النصوص ولا في حفريات الآثار، كذلك لم يتم وضع اي نص توراتي قبل عهد الملك سليمان (في القرن العاشر ق.م.).. علماً بان الكتابات الاولى في هذا الصدد قد استوحت موضوعاتها من اهتمامات العصر السياسية (كمدح نظام ملكي او انتقاده، والتدليل على مشروعية ملكية ارض او غزوها، الخ..) انطلاقاً من مأثورات شفهية، كحكايات شعوب الشمال (ساغه)، وقصائد هوميروس، واساطير الملك آرثر، والبطولات التي يتغنى بها شعراء وسحرة افارقة، واقاصيص الرواة العرب.. حيث ترد - كمال قال الاب ديفو - "احاديث عن اصول بعض الكلمات، او حكايات شعبية في شرح اسم موقع او فرع من قبيلة او نسب لأحد الجدود. ولى نوادر وطرائف قصصية، ينبني حق القبيلة في استخدام ارض او التمتع بامتياز ما. وانتساب واضع النادرة الى فئة معينة، يلعب دوراً كبيراً في توجيه كتابته". ومن تحليل النصوص التوراتية (التي لا نملك غيرها) يستنتج ما يلي: حوالى السنة الالف (ق.م) ترأس احد افراد قبيلة "يهودا" شأنه شأن "قائد المرتزقة" في اوروبا خلال القرن 16 ب.م) عصبة من المرتزقة الفلستينيين والكريتيين (من جزيرة كريت).. مستفيداً بمهارة من توازن القوى بين قوتي العصر العظميين: البابليين والمصريين.. ونجح في اقامة مملكة، وفي الاستقرار بمعية حرسه الخاص المكون من الكريتيين والفلستينيين، في اورشليم.. حيث استمر سكانها القدامى، من اليبوسيين، بالعيش فيها. وكان رئيس هذه الزمة: داود، الذي عهد الى فلستيني، هو: ايتائي غات "بقيادة ثلث جيشه، وكان يتلقى في شرقي الاردن واثناء تمرد ابشالوم مؤن الامير العموني: شوبي.. دون ان يسعى على الاطلاق الى "تهويد" الكنعانيين. بل انه، على العكس من ذلك، قد انشأ دولة متعددة الجنسيات تتألف من شعوب ذات ديانات واصول مختلفة. وكانت جدته "روث" مؤابية، وعند وقوعه في مصاعب، كان يعهد الى اهله بحراسة ملك مؤاب. وقد رزق من امرأة حثية، بابنه سليمان، الذي خلفه على العرش، وحافظ على تعدد الجنسيات في دولته، بل انه قد توسع فيها وبعد موت الملك سليمان، انقسمت مملكة داود الى: اسرائيل شمالاً ، ويهودا جنوباً. وفي سنة 721 ق.م.، اجتاح الاشوريون اسرائيل. ثم استولى احشيروش، ملك الفرس على بابل، فسمح بعودة المنفيين (لكن عدداً كبيراً منهم فضل البقاء في بابل). وبعدئذٍ، عاش العبرانيون تحت حكم الفرس، واليونانيين، والرومان - على التوالي - حتى فترة حركات التمرد ضد المحتل، ومنها ثورة المكابيين، في القرن الثاني (ق.م.) ضد (انطوخيوس ابيغانوس) السلوقي الاسكندر، فتمكن المكابيون بعد صراع دام عشرين سنة، من تشكيل اسرة "الازمونيين" التي حكمت الى ان انحلت بسبب منازعات داخلية. ثم استولى (بومبيوس" عام 63 ق.م.، على فلسطين التي اصبحت مملكة تابعة في عهد هيرودوت، ثم ولاية رومانية ثم نشبت ثورتان ضد المحتل الروماني لكنهما اخفقتا: الاولى عام (70 ب.م. والثانية عام (132) ب.م. وبعد القضاء على هذه الاخيرة في (باركوشيا). دمر الهيكل. وتشتت الشعب اليهودي على سواحل البحر الابيض المتوسط ولم يعد للطائفة الاسرائيلية اي وجود في فلسطين. وهكذا، فان الحاج اليهودي "بنيامين" الذي اتى من طليطلة عام 1170 لزيارة اورشليم القدس، لم يجد سوى 1440 يهودياً في فلسطين كلها. وفي عام 1275، لم يلتقِ "ناحوم جيروندي" الا بعائلتين يهوديتين في اورشليم القدس. وعندما استولى الصليبيون، على القدس عام 1099، فقد احرقوا اليهود في معبدهم، فيما اذن صلاح الدين الايوبي، الذي كان يستعيد القدس عام 1187، اذن لليهود بالعودة الى المدينة المقدسة!!
ولم يعد اليهود الى فلسطين الا على اثر حملات اضطهاد وملاحقة، وليس بدافع الحنين الى "وطن الاجداد" ففي القرن الخامس عشر الميلادي، كان اول العائدين يهود اسبانيا.. اولئك الذين لم يشعروا بحاجة الى الهجرة طوال ثمانية قرون من التعايش مع العرب، ولكنهم اضطروا الى الفرار من جور محاكم التفتيش والملوك المتشددين والمغالين بـ"كاثوليكيتهم"!.. لم يأتِ منهم الى فلسطين سوى عدد قليل جداً بينما التجأت الاكثرية الساحقة الى فرنسا، وهولندا، وايطاليا، ومصر، وقبرص، والبلقان. وفي عام 1845 لم يكن في فلسطين سوى (12) الف يهودي من اصل مجموع السكان البالغ 350 الفاً، وفي عام 1880: (25) الفاً من اصل (500) الف وقد اتت حملات الاضطهاد في روسيا عام 1882، بموجة جديدة تبعتها موجات من يهود بولونيا ورومانيا. ومع نمو الصهيونية السياسية، انطلاقاً من كتاب "تيودور هرتزل" حول (الدولة اليهودية) الصادر عام 1896، قامت دوافع جديدة للحركة الصهيونية، وهنا لا بد من وضع النقاط على الحروف بالنسبة لمسألة "الحقوق التاريخية".
اذاً لا بد للعبرانيين من ان يكونوا هم الشاغلين الاوائل لفلسطين، الا انهم كانوا في الحقيقة بين كثيرين غيرهم من شعوب "الهلال الخصيب". ولا يستطيعون بحال من الاحوال، المطالبة بوضع استثنائي لهم في سياق هذا التاريخ الطويل. الا ان الصهيونية تخضع احداث الماضي للتلاعب والتحريف المنظمين، حينما لا تستبقي في الكتب المدرسية الاسرائيلية وفي مضامين الدعاية الخارجية، ما هو ذو دلالة في تاريخ فلسطين، سوى الفترات العابرة والنادية التي قيض للعبرانيين فيها ان يقوموا ببعض الادوار.
1 - احتلال القبائل في عهد (يوشع) لأرض كنعان.
وقد حدث ذلك في القرن 13 ق.م. وفقاً لنصوص التوراة في القرن العاشر. وهذا التوغل ما لبث ان تحول الى "حرب مقدسة" والى غزو لاستئصال شأفة الاعداء. والقائمون بهذا التحويل انما هم لاهوتيو القرن السادس، في اعادتهم لكتابة التاريخ طبقاً لأغراض سياسية محددة.. (كما سنرى فيما بعد، عند البحث في التكنولوجيا الدينية للصهيونية، المكملة لمينولوجيتها التاريخية).
3 - سنوات حكم داود وسليمان، ومجموعها 73 سنة.
4 - النفي الى بابل.. ثم العودة منها.
5 - واخيراً، ثورات عام 1963 وعام 135 ضد الرومان…اما بقية التواريخ فلا اثر لها، كما لو ان شيئاً لم يحدث فوق هذه الارض منذ الالف الثالث حتى مجيء العبرانيين، الفي سنة وكذلك الامر بعد الفي سنة اخرى بدءاً من (باركوشبا) عام 135م. وحتى انشاء دولة اسرائيل، عام 1948!! هكذا ابتدعت اذن اول اسطورة تاريخية باختيار كيفي لبعض وقائع من تاريخ يمتد خمسة آلاف سنة: كهجرة قامت بها القبائل العبرانية وهذه حصلت مراراً. او كمملكة، بين الكثير من الممالك، تولاها داوود، وكتمرد شبيه بالعديد منه من جانب المكابين وسكان "باركوشبا". وعليه فان تاريخ فلسطين، الذي يتم تدريسه الان في مدارس اسرائيل، هو نتاج عمل مزيفين. لكن "التاريخ المقدس" الذي تدرسه التعاليم الكاثوليكية او "مدرسة الاحد" البروتستنتية، انما يساند الدعاية الصهيونية السياسية، دون قصد منه، باعتماده قراءة معينة من التوراة حول الشرق القديم ويهيء الملايين من مسيحيي العالم لتصديق ادعاءات الميتولوجيا القاتلة للشعب الفلسطيني وللسلام العالمي. ذلك لان هذه الميتولوجيا توفر للصهيونية السياسية اسساً تقوم عليها دعائم مطالبتها بالاراضي، وضمها لاراضي الغير، وقيامها بالعدوان. ويستكمل الصهاينة هذه الاضاليل بوهمين تاريخيين آخرين:
أ- بتحويلهم فلسطين الى صحراء تاريخية، (عدا فترات جغرافية: "ارض بلا شعب، لشعب بلا ارض" وفقاً لمقولة مشهورة للكاتب "اسرائيل زنغويل" .
ب - وطمساً للاستمرارية التاريخية للأرض الفلسطينية، ابتدعت الصهيونية (تماماً كالمعادين للسامية) توصلاً عنصرياً ومميزاً للشعب اليهودي مستعينة بانساب مختلفة، ورفض الاندماج، من اجل تبرير "العودة الى ارض الجدود" كما ان اليهود الحاليين هم الاحفاد والورثة الطبيعيون لاسرائيليي الازمنة التوراتية.. ويحققون اخيراً ما طمحت وتطمح اليه الجماعات "اليهودية" منذ مئات السنين… فلنتناول اذن بالتحليل هذين الوهمين التاريخيين:
"وهم "الصحراء"
عند صياغة الصهيونية السياسية انطلاقاً من كتاب "تيودور هرتزل" (الدولة اليهودية 1896)، اغفل تماماً وجود شعب في فلسطين. بل ان هذا الوجود غير مشار اليه: لا في كتاب هرتزل، ولا في الاجتماعات التأسيسية للحركة الصهيونية العالمية. فعدم وجود هذا الشعب هو احدى المسلمات الاساسية للصهيونية: مسلمة جذرية، تفرعت منها جميع الجرائم اللاحقة.. وهاهي غولدا مائير تصرح لجريدة "صاندي تايمس" بتاريخ 15 يونيو (حزيران) 1969 قائلة:"لا وجود للفلسطينيين. وواقع الامر لا يبدو بانه كان ثمة شعب فلسطيني في فلسطين، يعتبر نفسه شعباً فلسطينياً.. وكما لو اننا جئنا لطرده والاستيلاء على بلاده.. الواقع انه لم يكن موجوداً اصلاً!!." وبما انهم غير موجودين اصلاً، فهم يقاومون، والواجب يقضي بإقصاء هؤلاء "الغائبين - الحاضرين" او تقتيلهم، بنفس طريقة تعامل المهاجرين الى امريكا مع الهنود الحمر".. وعندما سأل "اينشتاين" وايزمان الذي كان حينئذٍ احد قادة المنظمة الصهيونية العالمية: عم سيحل بالعرب اذا ما اعطيت فلسطين لليهود؟.. اجاب (وايزمن): - "اي عرب تعني؟؟ انهم لا يعدون شيئاً!!". وقد سبق للبرفسور "بنزيون دينور" الذي كان اول وزير للتربية الوطنية بدولة اسرائيل، وصديقاً حميماً لمؤسس دولة اسرائيل ديفيد بن غوريون عام 1954، ان كتب في مقدمة كتاب (تاريخ الهاغانا)، الصادر عن المنظمة الصهيونية العالمية: - لا مكان في بلادنا الا لليهود واننا قائلون للعرب: ابتعدوا!!.. فاذا لم يوافقوا او انهم قاومونا فسندفعهم عنا بالقوة!..". كذلك كتب "جوزيف ويتز". المدير السابق لدائرة الاستيطان في الوكالة اليهودية، عشية حرب حزيران عام 1967. يقول:
-" بصراحة، يتضح تماماً انه لا مكان في هذه البلاد للشعبين معاً. والحل الوحيد هو تكريس ارض اسرائيل القديمة، المتمثلة على الاقل في اسرائيل الغربية (غربي الاردن) دون تواجد للعرب.. والمخرج الوحيد هو في نقل العرب الى مكان آخر في البلاد المجاورة" لكن الحقيقة غير ذلك: فبعد وعد بلفور عام 1917 وبعد عشرين عاماً من الصهيونية السياسية والدعاية من اجل "العودة" وبعد الموجات الاولى من المهاجرين الفارين من حملات ذبح اليهود في روسيا وبولونيا ورومانيا، اثبت الاحصاء الانجليزي للسكان في 31/12/1922، وجود (757000) نسمة في فلسطين، بينهم: (663) الفاً من العرب (590 الفاً من العرب المسلمين، و73 الفاً من العرب المسيحيين).. و83 الفاً من اليهود (اي: 88% من العرب، مقابل 11% من اليهود). ومن المناسب ان نذكر بان تلك "الصحراء" المزعومة كانت تصدر آنئذٍ الحبوب والحمضيات!!.. وفي عام 1891، زار فلسطين (آشير غرينبرغ) احد الصهاينة الاوائل، الذي كان يكتب بتوقيع ابن الشعب (احد عام) وعاد بالانطباع اسرائيل) بانها اليوم شبه قاحلة.. صحراء لأزرع فيها وبان من يشاء حيازة قطعة ارض فيها، يستطيع المجيء الى هنا لاستملاك ما ترغب فيه نفسه. لكن الواقع هو غير ذلك… فعلى امتداد البلاد كلها، يصعب العثور على حقل غير مزروع، اما الاماكن غير المزروعة فهي عبارة عن سهوب رملية وجبال صخرية، حيث يتعذر استنبات غير الاشجار المثمرة، وذلك بعد جهود مضنية وعمليات واسعة من التنظيف والاستصلاح" وحقيقة الامر، قبل مجيء الصهاينة، ان البدو (او بالاحرى زارعي الحبوب) قد صدروا ثلاثين الف طن من القمح.. وان مساحة بساتين البرتقال والحمضيات باتت سبعة اضعاف بين 1921 و 1947 وانتاج الخضروات تضاعف عشر مرات بين 1922 و 1938 وهكذا دواليك…
واذا اخذنا موضوع الحمضيات مثلاً، نجد ان تقرير "بيل" المقدم الى البرلمان البريطاني من وكيل المستعمرات، في يوليو (تموز) 1937، والمستند الى سرعة اتساع بساتين البرتقال في فلسطين، وفيه يقدر انه، نظراً لحاجة الاستهلاك العالمي خلال السنوات العشر القادمة الى ثلاثين مليون صندوق من البرتقال الشتوي، فان جداول البلدان المنتجة والمصدرة لهذه الفاكهة ستكون كما يلي:
- فلسطين: 15 مليون صندوق.
- الولايات المتحدة: 7 ملايين صندوق.
- إسبانيا: 5 ملايين صندوق.
- البلاد الاخرى (كقبرص ومصر والجزائر وغيرها) : 3 ملايين صندوق.كل هذه المعطيات والارقام الواردة يقوم عليها، "تقرير بيل" فصل 8 و19 / ص 214. واذا اخذنا بعين الاعتبار الى مراحل تقدم الزراعة في جميع بلدان العالم خلال السنوات الخمسين الاخيرة، (كما سيتم بيانه عند الحديث عن تمويل دولة اسرائيل) وبخاصة "المساعدات" المالية المذهلة المتدفقة على هذه الدولة من الخارج، يتضح لنا بجلاء تام عدم حدوث ادنى "معجزة اسرائيلية" في هذا الميدان. اما توهم وجود "فراغ" تاريخي وجغرافي فسيكون الفرضية التي ترتكز عليها سياسة اسرائيل الصهيونية من اجل "تبرير" عمليات الطرد والسلب والقتل والتدمير والاضطهاد.. وهذا ما سنتطرق اليه لاحقاً.
والوهم التاريخي الاخر، الذي تقوم عليه الصهيونية يتمثل في الاعتقاد بصلة العرق، وهي دافع الحنين الى العودة. وان الاختلاف في الانساب انما يرمي الى حمل الناس على الاعتقاد بان يهود العالم الحاليين هم جميعاً من ذرية واحدة وعرق واحد صدر، بأمر من الله، عن ابراهيم ومريديه برمته في ارض كنعان "الموعودة" ليهاجر بعدها، الى مصر حيث ينقذ الرب من العبودية، بفضل اعجوبة "الخروج" بقيادة موسى، حوالى القرن الثالث عشر، ثم يفتح "ارض الميعاد" بقيادة "يوشع" عن طريق تنفيذ امر الرب باستئصال شأفة السكان الاصليين. ويؤسس مملكة داود، ثم يهزم ويهيم على وجهه في الارض. وعندما سمح احشيروش، عام 539 ق.م. بعودة المنفيين، قام اثنان من الموثوق بهم في بلاط فارس هما: الكاهن الاكبر "نحميا" والكاتب "اسدراس" - من اجل الحفاظ على نقاء العرق والدين، ولتجنب اي اندماج لليهود في الشعوب التي يعيشون وسطها - قام الاثنان بإصدار قوانين مشددة تحظر زواج اليهود من نساء غير يهوديات، ودققا في تدوين القانون المنزل سابقاً على موسى، واقاما سلطة كهذية مطلقة. وكانت هذه القوانين صارمة جداً، وهي قوانين تمييز عنصري… فقد قال اسدراس (10/11) "انفصلوا عن اهالي البلاد والنساء الاجنبيات" وكانت عمليات الطلاق نافذة خلال ثلاثة اشهر "في اليوم الاول من اول شهر انتهى الامر بالنسبة لجميع الرجال الذين كانوا متزوجين من نساء اجنبيات" (10/17-1). وقد بين "نحميا" (13/3) انهم "لما سمعوا بنبأ هذا القانون ابعدوا عن اسرائيل كل رجل مختلط الدماء" ويضيف "نحميا" قائلاً: - "رأيت يهوداً كانوا قد تزوجوا من نساء اشدوديات، وعمونيات ومؤابيات وكان نصف اولادهم يتكلم اللغة الاشدودية، ولا احد منهم يبدو قادراً على النطق باليهودية، بل بلغة شعب او شعوب اخرى فوجهت اليهم اللوم، ولعنتهم كما ضربت بعضاً منهم وشددتهم من شعرهم، ثم استحلفتهم باسم الرب "لا تعطوا بناتكم لأبنائهم، ولا تأخذوا من بناتهم لأبنائكم او لكم (13/23/-5) "كنت اطهرهم من كل اجنبي، واعيد تطبيق الانظمة المعلقة بالكهنة واللاوية (سدنة المعابد 13/30). وهكذا تابعت اليهودية، المصانة من اي رافد خارجي في البدء تابعت مسيرتها برعاية كبار الكهنة. في هذه الرواية "الرسمية" للتاريخ اليهودي سوف نرى، عند تحليل ما قامت الصهيونية المعاصرة من قرارات انتقائية واسطورية وقبلية للتوراة، ان المأثورات المزركشة، الزاخرة بالمديح، والمستخرجة من اجل غايات سياسية محددة، هي ما يشغل الجزء الاكبر من تلك الرواية. وعاش التاريخ في الـ "دياسبورا" (اي مع اليهود المشتتين في بقاع الدنيا) حيث عاشت الجماعات اليهودية، التي يصورها الصهيونيون دائماً على انها مضطهدة في كل مكان، وهناك حافظت على املها بالخلاص الاخير عبر "العودة" الى "ارض الميعاد" المفقودة مؤقتاً، وشكلت، بالتالي بين الأمم "شعباً الهياً" مكلفاً برسالة الهية تبشر بارادة الله، عن طريق آلام هذا الشعب وايمانه الراسخ مما يعني ان التاريخ البشري كله يدور حول مصير هذا الشعب المختار. وسنرى، فيما بعد كيف "علمنت" الصهيونية السياسية المعاصرة هذه الصورة لتبرير القوة حتى بالنسبة لأولئك الذين لم يعودوا يعتنقون الديانة الاسرائيلية وهم كثيرون جداً داخل اسرائيل وخارجها. وقبل ان نتناول التبرير الديني الاساسي الذي ترتكز عليه الايديولوجية الصهيونية في استخدامها "للوعد" الذي يمنح "حقاً الهياً" بأرض فلسطين و"لاختيار" الشعب اليهودي يتيح له باسم هذا "الحق الالهي" ان يدوس بقدميه كل الحقوق الانسانية التي اكتسبها اولئك الذين عاشوا وعملوا آلاف السنين في فلسطين.. وقبل ان نتناول ذلك، نشير الى وهمين اضافيين هما: "العرق اليهودي، والحنين القديم الى العودة". اما مفهوم "العرق" او العنصر، فهو من بدع القرن 19 الاوروبي الرامية الى تبرير هيمنة الغرب الاستعمارية، وقد مر بطريقة اعتباطية: من التمييز بين المجموعات اللغوية، الى فكرة الاختلاف البيولوجي وعلى الاخص الطبقية بين سلالات البشر الكبرى. وقبل تطور هذا الوهم الخطير - وخاصة عبر التفاسير الجامحة لكتاب الكونت "دي غوبينو" الصادر عام 1853 بعنوان (مقالة في عدم المساواة بين الاجناس البشرية).
- كانت الفكرة الاقرب الى الامتياز العرقي هي المفهوم القبلي للدم المشترك، وهذا المفهوم بنظر جميع الحضارات يبرره امتداد وهمي جد مشترك او بطل تحمل القبيلة اسمه، او انساب اسطورية تتواجد امثالها لدى الهنود الحمر في امريكا، وفي ملحمة "الانياذا" لفرجيلوس، وفي "العهد القديم".. لكن الامر لا يتعلق بمدلول العرق كما فهمته اوروبا في القرن التاسع عشر باعتباره محصوراً في بعض كبريات المجموعات البشرية، بل بذلك المحصور بذرية متصل النسب في وحدات قبلية صغيرة، او في بعض الطبقات الاجتماعية، وعلى سبيل المثال، نجد ان لغة القرن السادس عشر الفرنسية تدعو الطبقة الملكية "بالعرق" الملكي بينما كان هناك في القرن الثامن عشر تفريق بين طبقة النبلاء ذات "الاصل العريق" وبين الطبقة حديثة الاكتساب للقبها "النبيل" وغير متصل لنسب. ولم يتم الا في القرن الثامن عشر - ومع الفكر الفرنسي "بوفون" اذ وضع تصور للنموذج البشري الاصيل.. وهو المتمثل في الجنس الابيض الذي يتدنى تكوينه ويتناقص قدره كلما ابتعد عن المناطق معتدلة المناخ، ثم وباسم مذهب مركزي للنشوء والارتقاء البشريين ذي محور اوروبي بالطبع، اعتبر "بدائياً" كل من هو غير غربي، وهي حجة اساسية "لتبرير" الفتوحات الاستعمارية بمهمة الانسان الابيض في نشر "التقدم" ويعزز المصطلح الحالي لتحديد الدول "النامية" هذه الرؤية الطبقية التي ترى ان المسيرة النموذجية للبشرية انما هي مسيرة الغرب وبالتالي فان "نمو" اي شعب يقاس بمدى الاقتراب من ذلك النموذج المثالي او الابتعاد عنه!!. وقد استنكر "ليفي شتراوس" في كتابه (العرق والدين) هذه العنصرية بشدة مبيناً نقصها، اذ هي تستبعد حوار الثقافات، وقال "النقيصة الوحيدة التي يمكن ان تضر بمجموعة بشرية وتمنعها من تحقيق ذاتها كما يجب هي توحدها وعزلتها" (ص 37). واستخدمت نظرية العرق المزيفة باستمرار كمبرر للتسلط والعنف وابلغ مثال على هذا هو ما قدمته النازية، فهتلر يتهم اليهود "بانهم يريدون بالافساد الناتج عن التهجين، القضاء على الجنس اليهودي الابيض الذي يحتقرونه". ويضيف قائلاً: "بان اليهودي يسمم دماء الاخرين، بينما هو يصون دمه!."
واللافت للنظر هنا هو هذا التقليد للضحية، فمشروع قوانين (نورمبرغ) الدموية يذكر في مقدمته باستيحائه الاحكام من اول مقررات في التاريخ كان (اسدراس) و(نحميا) قد اتخذاها من اجل صيانة نقاء الجنس. ولا يتعلق الامر بالتاريخ القديم او بعلم الآثار اذ انه بموجب السنة الحاخامية يحدد دستور دولة اسرائيل الحالية هوية "اليهودي". وجاء في "صموئيل" (10/3)، "هيا اذن امضِ لضرب (أبمالك) وعليك حرمانه من كل ما يعود اليه. لن تدعه ابداً. ستوقع الموت بالجميع، الرجال والنساء والاولاد والاطفال، البقر والاغنام، الجمال والحمير". هذا التبرير التوراتي للمذبحة، وذاك الاقرار لمشروعية الاعتداءات وضم الاراضي من جانب الدولة الصهيونية القائمة حالياً في اسرائيل، والمعتبرة كوريث شرعي وامتداد مكمل لاسرائيل التوراتية، يسهلان قبول ما لا يمكن قبوله لدى يهود الشتات (دياسبورا) ولدى كثير من المسيحيين الذين يتقبلون دون مناقشة بعض التعاليم الكاثوليكية وتعاليم "مدرسة الاحد" البروتستنتية المساندة دون قصد للميتولوجيا الصهيونية، علماً بان الشروحات التي تناولت هذه الميتولوجيا قد بينت تهافتها منذ قرن من الزمان، وعلى الاخص في السنوات الاخيرة.. وهنا تعطي الاسطورة الدليل على فعالية استخدامها، فها هو الحاخام اليعازر ولدمان يكتب في جريدة (ناكوده) مقالة بعنوان "قوة انجاز العمل " يعزز فيها سياسة ارييل شارون وبيغن بضمانة "لاهوتية" ضرورية للمشروعات الملحة الجامحة، وبدعم من الروايات التوراتية، يبين ان اسرائيل قد دللت باحتلالها للبنان على تمكنها من اقامة "نظام جديد" في الشرق الاوسط وما يليه، مما يعتبر "بداية الخلاص" بالنسبة للعالم اجمع، وهو لا يكتفي بتمجيد الاعتماد على "العرق" بل يقول بان "الحاجز الفاصل بين الشعب المختار وبين بقية الأمم قام لأجل استمرار مهمته كشعب الهي". ان التاريخ وكذلك علم الاحياء لا يوفران اي ركيزة موضوعية لمفهوم العرق المميز ويجعل اليهود عنصراً منعزلاً عن باقي البشر، ويعني اختلاق اسطورة، او وهم هو مشترك بين الصهاينة ومعادي السامية.. وهكذا ترتكز اللاسامية والصهيونية على نفس الفرضية وتقودان الى نفس النتائج. اما الفرضية المشتركة فهي الاعتقاد بوجود كيان يهودي غير قابل للاندماج ببقية الشعوب، اصطفاء كان ام استعباداً. وهذا يقود الى الاستنتاج بوجوب اصطفاء اليهود من بين الأمم، بغية تجميعهم في معزل دولي (غيتو) ومثل هذا كان مبتغى اللاساميين على الدوام. والحقيقة انه لم يكن "للعنصر اليهودي" من وجود اصلاً. وفيما عدا هذيان هتلر والصهيونيين، كان "اليهود" خلال جميع مراحل التاريخ احد مركبات الفئات السكانية التي لم تشكل بدورها اصولاً عرقية. ان البدو الرحل او الرعاة المتجهين نحو الاستقرار، ممن دخلوا ارض كنعان كانوا آراميين، اتوا من شمالي الفرات، ومن شرقي الاردن، ومن شبه الجزيرة العربية، اي انهم - بحكم لغتهم لا بحكم دمهم - كانوا "ساميين" كما هو اليوم العرب والاسرائيليون، ويشهد على ما في اللغتين، العبرية والعربية من تقارب. و"العابرون" (العبريون) الآتون من مصر وقت "الخروج" كانوا فئة اجتماعية من الهامشيين، والعارضين لا عنصراً متميزاً. اما القبائل التي تسللت الى ارض كنعان بسلام او بحرب، فقد تمازجت بالسكان المحليين، ثقافياً وبالزواج، وتشهد على ذلك قوانين اسدراس ونحميا العنصرية الصادرة بعد عدة قرون. ثم ان مملكة داود وسليمان كانت متعددة الجنسيات، حفيت بالاجانب ونزعاتهم الدينية. وعندما سمح احشيروش للمنفيين في بابل "بالعودة" بقي معظمهم في بلاد ما بين النهرين، حيث شكلوا جذوراً اسرية. واخيراً، حينما طرد الرومان الاسرائيليين المتمردين سنة 70 م - وفي (باركوشبا) فيما بعد - نجح المنفيون في تحويل بعض السكان الذي آووهم الى اليهودية. وكان جوزيف ريناخ قد كتب في (جريدة الجدال) يوم 30/3/1919 قوله بأن "يهود فلسطين لا يشكلون سوى اقلية لا تذكر واليهود، كالنصارى والمسلمين، عمدوا بحماسة وايمان الى ادخال الشعوب في دينهم، بل انهم، قبل العهد المسيحي ادخلوا في ديانة موسى الموحدة لله، ساميين آخرين (كالعرب) ويونانيين ومصريين ورومانيين، بأعداد كبيرة وبعد ذلك نشط التبشير اليهودي في آسيا وافريقيا الشمالية وايطاليا واسبانيا وبلاد الغال. وكان الرومان والغاليون المتحولون الى اليهودية هم بلا شك الاكثرية في الجماعات اليهودية المشار اليها في حوليات "غريغوار دي تور" كذلك كان بين اليهود الذين طردهم الملك الكاثوليكي فردينايد من اسبانيا كثير من الاسبان المتحولين الى اليهودية، وقد انتشروا في ايطاليا وفرنسا والشرق وازمير. والاكثرية الساحقة من اليهود الروس والبولونيين والكاليكيين ينحدرون من "الخزر" وهم شعب تتري في جنوبي روسيا، تحول برمته الى اليهودية في عهد شارلمان. لذا، فمن يتحدث عن عرق يهودي، اما ان يكون جاهلاً، او ذا نية خبيثة. ذلك لان اليهود لم يكونوا سوى قبيلة بين العديد من القبائل العربية او السامية التي استقرت في غربي آسيا".
ويستخلص "جوزيف ريناخ" من كل ما سبق نتيجة واضحة هي: - "بما انه لا يوجد اذن عنصر يهودي ولا امة يهودية، بل مجرد ديانة يهودية، فالصهيونية هي بالتالي حماقة، وثلاثية الخطأ، تاريخياً، واثرياً وعرقياً!.." واكد هذا مكسيم رودنسون بدقة علمية فقال: "من المرجح، كما يبين علم الانسان الى يبينه، انه يجري في عروق السكان المعروفين بعرب فلسطين (ومعظمهم معربون) قدر من دم العبرانيين القدامى اكثر مما يجري في عروق اغلبية يهود الخارج، ممن لم يمنع انغلاقهم الديني من امتصاص متحولين الى اليهودية من مختلف الاصول العرقية. وكانت الدعوة الى اليهودية قد نشطت نشاطاً واسعاً طوال قرون متعاقبة، وتتابعت خلال فترات زمنية طويلة، ويكفي للتدليل التاريخي على ذلك، ان ننوه بقيام دولة يهودية في جنوبي الجزيرة العربية على اساس عربي جنوبي مهود وقيام دولة الخزر اليهودية التركية في جنوب شرقي روسيا بين القرنين الثامن والعاشر على اساس تركي اوفينوغري، مع مسحة سلافية. ثم ان اليهود في الصين هم صينيون اصلاً، وفي الحبشة وحولها هم زنوج سود اصلاً ولوناً..الخ.. ويكفي من الناحية الانتروبولوجية، تفحص وجوه متعددي الاجناس من الذين يحضرون اي اجتماع يهودي، لتقدير اهمية الاسهامات الاجنبية في الكيانات القومية" واوضح مقولة لازالة الخداع التاريخ هذا، هي التي اوردها "توماس كيرنان" في كتابه "العرب" (بوسطن 1975) اذ قال: "كان الصهاينة اوروبيين وليس هناك البتة من رابط حيوي او عضوي بشري بين اجداد يهود اوروبا وبين القبائل العبرانية القديمة". وانهاء لموضوع "الحقوق التاريخية" المزعومة نود التذكير بمواقف ثلاثة جوهرية في مسيرة اقامة دولة اسرائيل:
8 - وعد بلفور الذي تضمنته رسالة موجهة الى البارون دي روتشيلد في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) 1917. بان حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف الى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، وعلى ان يفهم جلياً انه لن يؤتى بعمل من شأنه ان يغير الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين ولا الحقوق او الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الاخرى". وسرعان ما وعى بلفور مخاطر وعده، فكتب يوم 19/2/1919 الى "لويد جورج" ما يلي: "النقطة الضعيفة في موقفنا، هي اننا فيما يتعلق بفلسطين، قد رفضنا مبدأ تقرير المصير ذاتياً، فلو كان السكان الحاليون قد استشيروا، لكان قرارهم حتماً ضد الاستيطان اليهودي". وهذا ما كان قد اكده تقرير لجنة "كنغ كرين" التي ارسلها الرئيس الامريكي عام 1919 لتقصي الحقائق حول "افكار ورغبات مجمل السكان". ويقول التقرير بالنسبة لفلسطين:
- "لقدامى السكان هنا، من مسلمين ومسيحيين على السواء، نفس الموقف المعارض لاي نزوح يهودي جماعي، ومضاد لاي مسعى نحو بسط سيادة يهودية عليهم. وهنا نتساءل عما اذا كان هناك من بريطاني او امريكي بين الرسميين، يمكن ان يعتقد بامكانية تحقيق البرنامج الصهيوني، الا ان يكون هذا مدعوماً بجيش كبير". ونبذت اللجنة البرنامج الصهيوني الموسع مقترحة الابقاء على الوحدة السورية الفلسطينية تحت انتداب بريطاني او امريكي، مع ضمان موطن قومي يهودي محدود. وقد وفق "ارثر كوستلر" في وصف العملية التي جرت، عندما قال في كتابه "الوعد والوفاء" (ص4):
- "امة وعدت اخرى علناً بأرض امة ثالثة!" ومع هذا الوعد بدأت سلسلة الاكاذيب التي تحكمت بمسيرة دولة اسرائيل وقادتها، ولم يكف الانتهاك المستمر للاشارة الواردة في وعد بلفور الى احترام حقوق "الطوائف غير اليهودية" بل كانت فكرة "الوطن القومي اليهودي" - كما حدده "الكتاب الابيض" البريطاني عام 1922 بانه مركز اشعاع للثقافة والديانة اليهوديتين ستاراً حاجباً لنشاط القادة الصهيونيين في إنشاء دولة صهيونية. وكان اللورد كرزون قد كتب منذ 26/6/1919: "اذا كان وايزمن يقول لك شيئاً فتظن انه يعني "وطناً قومياً يهودياً" لكن تفكيره يذهب الى شيء مختلف كل الاختلاف، فهو يتطلع الى دولة يهودية وسكان عرب يخضعون لحكم اليهود، انه يسعى الى تحقيق ذلك خفية، وبمضمانة بريطانية". وازدواجية الصهيونية السياسية حقيقة راهنة، اذ بينما يؤكد المجلس الوطني اليهودي في مذكرته الى ونستون تشرشل، في آذار (مارس) 1921 بانه "لا يمكن الشك في انه عازم على رفض حقوق شعب آخر". تعلن غولداً مائير، عكس ذلك في الكنيست يوم 22/6/1969 بقولها: "اريد دولة يهودية ذات اكثرية يهودية مستقرة.. وهذا هو تصوري الدائم للصهيونية".
2 - قرار تقسم فلسطين، الذي اتخذته الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة في 29/11/1947، في هذا الوقت، كان اليهود يشكلون 32% من السكان ويمتلكون 5.6 % من الاراضي، واذا بالدولة الصهيونية تتلقى 56 % من البلاد مع اخصب الاراضي فيها!. وسبق التصويت على خطة التقسيم هذه مناورات دنيئة، اشار اليها في 18/12/1947 لورنس سميث، عضو الكونغرس الامريكي، امام نواب الكونغرس فقال:
"لنسترجع ما حدث في جمعية الأمم المتحدة اثناء الاجتماع الذي سبق التصويت على التقسيم. كان القرار يتطلب ثلث الاصوات لإقراره. وقد اعيد التصويت مرتين.. واثناء ذلك الوقت، مورست على مندوبي ثلاث دول صغيرة ضغوط شديدة بما ادت الى ان تكون اصوات هايتي، وليبيريا، والفيليبين، هي الحاسمة اذ بها استكملت اكثرية الثلثين، علماً بان هذه البلاد كانت تعارض التقسيم سابقاً لكن مندوبينا ومسؤولينا، وبعض مواطنينا الامريكيين مارسوا ضغوطاً عليهم وهي تشكل عملاً ذميماً جديراً بالعقاب" .
وفي عدد 9/2/1948 من جريدة (شيكاغو ديلي) القى "دروبيرسون" الضوء على امور كثيرة، منها التالي: - "هارفي فايرستون، صاحب مزارع المطاط في ليبيريا، مارس ضغطاً على الحكومة الليبيرية".
كذلك مارس ترومان ضغطاً لا مثيل له على ادارة الدولة وقد ذكر وكيل الدولة سمنز ويلز، انه "كان على الموظفين الامريكيين، بموجب امر صادر مباشرة من البيت الابيض، ان يمارسوا ضغوطاً مباشرة او غير مباشرة لتأمين الاكثرية اللازمة للتصويت النهائي اما "جيمس فورستال" وزير الدفاع يومئذٍ فأكد "ان الطرق المستخدمة لممارسة الضغوط وارغام الدول الاخرى داخل هيئة الأمم المتحدة، تقارب الفضيحة ..".
8 - اثناء الفترة الفاصلة بين قرار التقسيم الصادر في 29/11/1947 وبين النهاية الفعلية للانتداب البريطاني على فلسطين في 15/5/1948 استولى الجيش الصهيوني على اراض عائدة للمنطقة المخصصة للعرب، مثل يافا وعكا. فمن يستطيع، في احوال كهذه، ان يلوم الفلسطينيين والبلاد العربية المجاورة على عدم القبول بالظلم الصارخ المتمثل بالامر الواقع وعلى عدم الاعتراف بالدولة الصهيونية؟ لكن الارض وحدها لم تكف الدولة الصهيونية بل توجب ايضاً تفريغها من سكانها لتحويلها - لا الى مستعمرة تقليدية لاستغلال اليد العاملة المحلية - بل الى مستعمرة توطين يحل بها المهاجرون محل السكان الاصليين. لبلوغ هذا الهدف، عمدت الدولة الصهيونية الى ممارسة ارهاب منظم اشرفت عليه، اي الى مذابح بين السكان الفلسطينيين.
وابلغ مثل على ذلك ما حل بدير ياسين، ففي التاسع من نيسان (ابريل) 1948 وبأسلوب شبيه بما فعل النازيون في بلدة (اورادور)، اقدمت عصابة الارغون، بقيادة مناحيم بيغن ، على قتل سكان تلك القرية وعددهم 254 نسمة. وكان بيغن قد ذكر في كتابه (العصيان، حكاية الارغون) صفحة 162 من الطبعة الانجليزية - انه لولا "الانتصار" في دير ياسين لما كانت دولة اسرائيل بينما كانت الهاغاناه تحقق انتصارات في جبهات اخرى، كان العرب يفرون هلعين وهم يصيحون، دير ياسين. وفي 15 ايار (مايو) 1948 فقط ابلغ الامين العام لجامعة الدول العربية السكرتير العام لهيئة الأمم المتحدة، باضطرار الدول العربية الى التدخل من اجل سلامة السكان الفلسطينيين. وفي عام 1949 بعد الحروب الاسرائيلية العربية الاولى بات ثمانون بالمائة من فلسطين بيد الصهاينة وطرد منها 770 الف نسمة. وعينت الأمم المتحدة وسيطاً هو الكونت فولك برنادوت، الذي ذكر في تقريره ما يلي: - ان ما يصدم ابسط المبادىء الاخلاقية هو ان يمنع هؤلاء الضحايا الابرياء للأزمة من العودة الى موطنهم، بينما يتدفق المهاجرون اليهود الى فلسطين مهددين بالحلول محل اللاجئين العرب المقتلعين من جذورهم الممتدة الى عدة اجيال في هذه الارض". ثم وصف "ما يمارسه الصهاينة من سلب على اوسع نطاق، ومن تخريب بانه تم للقرى دون دواع عسكرية ظاهرة". وقدم الى هذا التقرير (هيئة الأمم المتحدة، الوثيقة 1/648 - ص14) واودع في 16/9/1948. وفي 17/9/1948 تم اغتيال الكونت برنادوت ومساعده الفرنسي العقيد سيرو في الجزء الذي احتله الصهاينة من القدس. اما السخط الذي اثاره هذا الحادث في العالم اجمع، اوقفت الحكومة الاسرائيلية رئيس عصابة (شترن) ناتان فريدمان يلين، الذي حكم عليه بالسجن خمس سنوات، ثم عفي عنه، وانتخب نائباً في الكنيست سنة 1950 الا ان باروخ نادل، احد قادة عصابة شترن في سنة 1948 اسند لنفسه في تموز (يوليو) 1971 شرف اصدار الامر بالاغتيال . وبقدر تمكن الحكام الصهاينة لدولة اسرائيل من الاستخفاف بالأمم المتحدة كانت اكثرية تلك الأمم المتحدة متواطئة وضالعة في الاغتصاب الصهيوني لفلسطين.
في عام 1947، وقبل انتهاء الانتداب كان الغربيون هم المتحكمين بهيئة الأمم المتحدة التي انتهكت شرعتها بنفسها حينما حرمت العرب - الذين يشكلون آنئذٍ ثلثي عدد سكان فلسطين - من حق تقرير مصيرهم بنفسم. وحتى من وجهة النظر القضائية البسيطة، هناك عدد من المسائل التي تفرض نفسها على البحث - التصديق على قرار التقسيم جرى في الجمعية العمومية وليس في مجلس الامن لذا يعتبر توصية لا قراراً تنفيذياً.
لم يكن الفلسطينيون وحدهم الرافضين لهذا التقسيم، فقد اعلنت عصبة الارغون (التابعة لمناحيم بيغن) حينذاك ان ذاك التقسيم هو غير شرعي، ولن يتم الاعتراف به اطلاقاً، ودعت اليهود "ليس فقط الى طرد العرب، بل كذلك الى الاستيلاء على فلسطين كلها" بل ان بن غوريون نفسه كتب يقول "حتى يوم رحيل البريطانيين لم يقتحم العرب اي مستوطنة يهودية، مهما كانت بعيدة، بينما استولت الهاغاناه - بعد عدة هجمات عنيفة - على العديد من المواقع العربية وحررت طبريا وحيفا ويافا وصفد" . وهكذا فان الارض التي منحتها متنظمة الامم المتحدة للصهيونيين بنسبة 57 بالمائة امتدت لتصبح حوالى ثمانين بالمائة من فلسطين!. وخلاصة الامر ان من الخطأ القول بان "نشوء" دولة اسرائيل قد تم على يد منظمة الامم المتحدة، بل ان نشوءها قد قام على سلسلة من "الوقائع التي تمت، عبر عنف الهاغاناه، والارغون، ومجموعة شترن. وهكذا اسدل الستار على تمثيلية "الحقوق التاريخية" بخاتمة من الاضاليل والدماء. اذ لا يمكن ان يكون الامر غير ذلك..، لان مفهوم "الحقوق التاريخية" بحد ذاته، حينما يدعي امكان تطبيقه على فترات طويلة من الزمن سيؤدي الى الاستحالة والى فوضى الحروب. ولو عمم هذا النوع الصهيوني من المطالبات القائمة على "حقوق تاريخية" كهذه لسيقت كرتنا الارضية كلها الى الفوضى، فلماذا لا يطالب الايطاليون "بحقوق تاريخية" لهم في فرنسا، حيث استغرق حكم الرومان - منذ يوليوس قيصر - زمناً يفوق كثيرا حكم ملوك اسرائيل لفلسطين؟ ولماذا لا يطالب السويديون بنورماندي، وانجلترا، وصقلية باسم "اجدادهم" النورزان؟ وماذا سيحل بأفريقيا لو طالب فاتحوها القدامى باعادة تكوين الممالك، وباستعادة الهيمنة؟ حتى عند اقتصار الامر على اوروبا، لنتصور ان الدول الاوروبية راحت تدعي اليوم "بحقوق تاريخية" على الارضي التي سبق لها ان حكمتها او شكلت اكثرية سكانها في عصر من العصور، حتى لو لم تتعدَ العودة زمن ابرام اتفاقيات (وستفالي) عام 1648 - وهو زمن فاصل في حياة اوروبا، انحلت فيه رابطة المسيحية وتمت ولادة الامم والقوميات فسوف تغرق اوروبا بالدم والنار بسبب الادعاءات المتضاربة التي ترفعها كل دولة، وتمتد الحرائق حينئذٍ من السويد الى ايطاليا والى النمسا فالألزاس والبلقان. وكيف سيكون الحال لو كانت العودة الى سقوط المملكة الرومانية قبل 15 قرناً؟ وقت ان نشأت جميع الامم، وحدود دولها، عن المصادمات الحربية وموازين القوى وسياسة "الامر الواقع" التي صنع منها التاريخ.
ولقد كانت ملاحظة (بليز باسكال) بعيدة المرمى بهذا الصدد: - عندما عجز الانسان عن جعل الصحيح هو الاقوى، تصرف بطريقة تجعل الاقوى صحيحاً. والمثال الاخير على هذا اللامعقول، يمكن تناوله من امريكا، فقد قال العالم باللاهوت "البير دي بوري" من جامعة نيوشاتيل: - قام استعمار امريكا على انتزاع ملكية القبائل الهندية بشكل مخزٍ، بيد انه يستحيل اليوم الاستناد الى ذلك الحدث من اجل انكار شرعية الولايات التي اقيمت في تلك القارة" . ومع ذلك "فالحقوق التاريخية" للهنود الحمر هي اكثر واقعية من تلك التي يدعيها الصهاينة. لان اولئك الهنود لم يكونوا فقط اول من سكن في امريكا بل انهم شاغلوها الوحيدون، منذ قرون وقرون. وعندما اقبل عليهم الاسبان والبرتغال والانجليز، وغيرهم من بقية الاوروبيين، أخذوا يمعنون فيهم تقتيلاً ويجردونهم من اراضيهم، فاذا كان لهم اليوم حق غير قابل للتقادم، في المطالبة بإمكانية العيش، فلن يقر احد شرعية اعتبارهم، لأنفسهم، السادة الوحيدين للقارة الامريكية المخولين، وبالتالي طرد او اضطهاد جميع المنحدرين من اصول اوروبية. فهل يعني هذا انه في كل مرحلة من مراحل التاريخ، لا بد من الاستسلام والانقياد (ككلبٍ مبقور في تيار ماء!!) لأعمال القوة ولسياسة الامر الواقع؟ فطيلة قرن ونصف من الزمن (بين 1746 و1914) لم يؤدِ الاضطهاد الخارجي الى الموت التاريخي لهذه البلاد. واليوم تمر نفس الاحوال بالشعب الفلسطيني الذي انتزعت منه ارضه، منذ اكثر من ثلث قرن، وكان يعيش ويعمل فيها منذ اجيال واجيال. ليطرد منها اخيراً، ويكون غريباً في دياره، وغريباً خارجها!! ان مقاومته لا تنطلق من مطالبة "بحق تاريخي" مبهم او بعيد، وانما من رفض حيوي لا يقهر، لعنف مستمر ويطال جذور الحياة نفسها. ولا وجه للشبه بين ذلك وبين الخرافة التي لفقتها الصهيونية السياسية جامعة من كل واد عصا - ثلاثة آلاف سنة وبين العديد من الغزوات تشكلت مملكة عابرة (لم تدم فعلاً اكثر من 73 سنة) لم يتكن متجانسة السكان، بل هي لم تسع الى ان تكون كذلك وقد ادت تقلبات الزمان الى انهيار هذه الدولة التي مرت بنفس مصير جميع الممالك المتسلطة، اما الغزاة الذين استنكفوا عن الاندماج في المحيط الذي يعيشون فيه طردوا تماماً كالصليبيين الذين اجتاحوا فلسطين في القرن الحادي عشر، وتعمدوا البقاء فيها كجسم غريب، فارضين هم ايضاً انفسهم كدولة اسرائيل الحالية، وسيطرتهم بقوة السلاح وتمويل الغرب. وبعد قرنين من الاحتلال (بين 1096 و1291م) حافلين بحروب متلاحقة ضد السكان الاصليين، تم طردهم جميعاً وغادر آخر فرد منهم عكا عام 1291. ومن الناحية التاريخية، لا يملك الدعائيون المتعصبون للصهيونية السياسية ولو قدراً من "الحقوق التاريخية" في فلسطين اكثر مما كان يملكه الصليبيون. وتخفي خرافة الحنين المتوارث جيلاً بعد جيل الى "العودة" وراءها الحقيقة الاستعمارية للدولة الصهيونية في القرن العشرين. كما ان الروحانيين اليهود الذين نادوا بالعودة الى فلسطين، ظلوا منعزلين مثل يهودا هاليفي (1085-1141م) الفيلسوف والشاعر اليهودي في زمن كان اليهود يتمتعون فيه بوضع متميز في اسبانيا المسلمة فقد كان هذا الشاعر الصوفي الكبير يرى في كل يهودي نبياً. ويؤكد بان "الحدس الالهي" الذي هو هبة خاصة بهم لا ينفتح الا في بلاد اسرائيل". ونداؤه هذا - الذي يستند اليه الصهاينة السياسيون اليوم دون مشاركة لصاحبه في ايمانه - لم يلقَ تجاوباً في حينه كما لم يتبع خطاه احد بعد ان توجه الى القدس، ومات عند ابوابها. كذلك الحال في القرن الثالث عشر بالنسبة للفيلسوف المتصوف "نشمنيد" الذي توجه للعيش في القدس. دون ان يجد احداً يتبعه لذا فان الاضطهاد كان هو الدافع الى الهجرات الكبرى الى فلسطين، وليس "الحنين" الى وطن… وهذا الحنين لم يكن الحاخامون المبشرون بالخلاص المنتظر ليشجعوا عليه ابداً. واليهود الذين سبق ان طردهم الصليبيون من القدس عاد "الملوك الكاثوليك" فطردوهم من اسبانيا عام 1492م عدا من تحول عن دينه امام ارهاب محاكم التفتيش الخاصة بالكنيسة الكاثوليكية.
وحينئذٍ لجأ العدد الاكبر منهم الى انحاء متفرقة من اوروبا، بينما توجه العدد القليل الى فلسطين، حيث كان متصوفو صفد يقرنون رؤياهم الشاملة للمحبة الالهية ووحدة العالم بتأويل اسطوري لتاريخ اسرائيل. ولسوف تستغل الصهيونية السياسية التشابك الدائم بين التسامي النبوي في اليهودية وبين الاسطورة التاريخية التي تستند اليها الصهيونية السياسية. فجعل هؤلاء المتصوفون من صفد مركز اشعاع روحي ليهودية متوسعة، لم تستثر - رغم ذلك - هجرة جماعية، وحينما فر "دون جوزيف ناسي" دوق ناكسوس، من طغيان محاكم التفتيش البرتغالية عام 1570م، وحصل من صديقيه المسلمين سليمان وسليم الثاني على الاذن باعادة تعمير طبريا من اجل اخوته في الدين، لم تثر محاولة النهوض السياسي هذه اي اهتمام لدى الطوائف اليهودية، وما لبثت ان اهملت. وعلى الصعيد الروحي فقد انفصلت اخيراً - مع "باروخ سبينوزا" ارفع المأثورات اليهودية الشاملة عن الاساطير التاريخية والعرقية المركزية الصهيونية ومقولتها بـ"الشعب المختار" المتميز وما تثيره من تعصب وعنصرية. اما كارل ماركس - بمجمل ابداعه الذي يعتبر امتداداً لدعوة كبار الانبياء وسبينوزا الى الخلاص الشامل - فلا يقدم في كتابه (المسألة اليهودية" (184م) تصوراً لانعتاق خاص باليهود، منفصل عن التحرر الانساني الشامل. ازاء نظام يختص اليهود فيه بمهمة مقتصرة عليهم. ذلك لان منشأ الصهيونية السياسية ليختلف تماماً عن بواعث الصوفية اليهودية. حيث سعت الاولى الى ايجاد حل استعماري بحت لمشكلة اضطهاد اليهود في اوروبا. ومما دفع الى التفكير في ايجاد ملاذ يوفر السلامة والامان لليهود المضطهدين: هو طرد اليهود من اسبانيا عام 1492، بأمر من "الملوك الكاثوليكيين" بعد سقوط آخر الممالك الاسلامية في غرناطة، ثم قتل القوزاق (بقيادة بغدان شملنسكي) لثلاثمائة الف يهودي في بولونيا عام 1648، مذابح اليهود المتلاحقة التي نظمها قياصرة روسيا منذ عام 1882، ومن ثم قضية "دريفوس" في فرنسا (بين 1894و1906) التي تبين مدى الفظاعة التي يمكن ان ترتكبها طبقة برجوازية فاسدة، وطغمة عسكرية عديمة الشرف، وصحافة وكنيسة دنيئتان، لاستخدام القومية كوسيلة للحفاظ على امتيازاتها باي ثمن. واخيراً النازية التي هي ايضاً جعلت من محاربة اليهود حجة لتحويل الانظار عن تطلعاتها الاساسية الى السيطرة على العالم، بدحر الحركة العمالية الثورية، عدوهما الرئيسي. اما تيودور هرتزل (كتابه "الدولة اليهودية" الذي نشر في فيينا عام 1896) فلم يكن يهودياً تقياً على الاطلاق، ولم يفكر ابداً في "عودة" روحية الى بلاد صهيون، بل كان مدفوعاً باهتمام صادق لتجنيب اليهود الاضطهاد. وقد ايقظت فيه قضية (دريفوس) في فرنسا هذه النزعة لقد تصور ان الحل الامثل هو في ايجاد ارض يمكن فوقها انشاء "دولة يهودية" ذات سيادة. وفي سياق سياسة العصر الاستعمارية وخلافاً للصهيونية الروحانية التي اعتنقها "عشاق صهيون" وعلى رأسهم الكاتب اليهودي الروسي آشر غنزبرغ، الحالمون بإقامة مركز روحاني لاشعاع الثقافة والعقيدة اليهوديتين، ولاستقطاب طموحات جميع الطوائف اليهودية في العالم دون تشكيل سلطة سياسية او اقتصادية، فقد اعد تيودور هرتزل مشروعاً آخر، مغايراً لكل ذلك. اذ اعلن عام 1897 في مؤتمر (بال) في سويسرا عن قيام صهيونية ليست هي بروحانية ابداً بل سياسية، واستوحى خطته من طبيعة تكوين شركات الاستعمار البريطانية، واضعاً نصب عينيه، سيسل رودس (الذي سميت روديسيا باسمه) اكثر الاستعماريين البريطانيين نموذجية فقد كتب الى سيسل رودس في 11/1/1902 ما يلي: "رجاء ارسل لي كلمة تشير الى انك قد تفحصت برنامجي، وانك تقره، لعلك تتساءل لماذا كان توجهي اليك يا سيد رودس، ذلك لان برنامجي برنامج استعماري". تلك هي نقطة انطلاق الصهيونية السياسية فهرتزل يسعى الحصول من قوة غريبة شريعة استعمارية تضمن له مغامرته. وكان هرتزل محقاً حينما قال في مدينة (بال): "اسست الدولة اليهودية" لان جميع السمات المميزة لدولة اسرائيل فيما بعد، تتطابق كلياً مع المبادىء الاستعمارية، القائمة عليها تلك الدولة. ولم توجه الصهيونية السياسية في بدايتها خصيصاً الى فلسطين، اذ كان المقصود، حسب لغة العصر الاستعماري، هو العثور فقط على "مساحة خالية" - اي على موطن - تحت سلطة غربية، انى يمكن عدم الاخذ بالحسبان للسكان الاصليين. وهكذا حاول هرتزل "الحصول على الحق في احتكار اراضي في موزمبيق والكونغو البلجيكي يضاف اليه، من بين مؤسسي الصهيونية السياسية، كل من: ماكس نوردو، المعروف "بالافريقي" وحاييم وايزمن الملقب "بالاوغندي" كما قامت مشاريع توطين اخرى في: الارجنتين عام 1897 قبرص (1901-1902) سيناء (1902)، واخيراً في اوغندة (1903-1904) المعروضة على هرتزل من قبل بريطانيا. لكن المنظمة الصهيونية العالمية لم تحسم الامر باختيار فلسطين الا عام 1905، اي بعد انقضاء سنة واحدة على موت هرتزل. وفلسطين الواقعة عند ملتقى القارات، كانت احد الامكنة المتاحة امام هرتزل وارضاً قابلة للتفاوض بشأنها مع الاستعماريين في وقت تتواجد فيه تحركات استعمارية متنافسة في منطقة الشرق الادنى من المانيا وروسيا وانجلترا.. وحينذاك طرح غليوم الثاني مشروع خط سكة حديد (برلين، استنبول، بغداد) فيما كانت روسيا تطمح بالمضائق لتأمين عبورها عبر السويس، وعلى حقول نفط الخليج، فراهن هرتزل على كل المطامع الاستعمارية دفعة واحدة، وذكر في كتابه (الدولة اليهودية): "لسوف نشكل لأوروبا جزءاً من سور يقيها من آسيا، ونصبح حرساً متقدماً لحماية الحضارة من هجمات البرابرة" . ودولة اسرائيل - حسب تقديرات هرتزل - لا تستطيع البقاء في الشرق الادنى غير مندمجة في كيان الا بشرط ان تكون فيه - بطريقة ما - معتمدة من جانب استعمار غربي جماعي. ولا يتردد هرتزل، ومؤسسو الصهيونية السياسية، في مخاطبة كل جانب - ولو كان هذا اسوأ "المعادين للسامية" - بما يناسبه من حديث. فقد كتب هرتزل في يومياته (اعتباراً من 1895): سأقول للألمان دعونا نرحل!.. فنحن مختلفون عنكم. انهم لا يدعوننا نندمج بالسكان. وعلى اية حال، فلسنا قادرين على مثل ذلك". اورد الكاتب الصهيوني (أ.شوراقي) في تأريخه لحياة هرتزل يوم 4/3/1896 ما يلي: - "في هذه الايام، اقرب الانصار الي هو اللاسامي من بطرسبورغ، ايفان سيموني" . وعند اشارته لمستقبل الشعب اليهودي فانه يحدده بالقول: "ان اللاساميين" كانوا محقين ولكن يجب الا نكون غيورين منهم نحن ايضاً سنكون سعداء" .
وفي روسيا، خاطب (ويت) وزير المالية القيصر، هرتزل بصلافة قائلاً: "كان من عادتي ان اقول للأمبراطور السابق السكندر الثالث لو كان بالامكان اغراق ستة او سبعة ملايين يهودي في البحر الاسود، لكنت راضياً عن ذلك كل الرضا". ومع ذلك تابع هرتزل حديثه اليه قائلاً بانه ينتظر بعض التشجيع من الحكومة الروسية فأجابه (ويت): "ولكن اليهود يستحقون قبل التشجيع على الهجرة مثلاً لو يتلقون ركلات من الاقدام !!" ويعترف هرتزل بقوله:
"على اتباع طريقة اللاساميين عندما اجاهر بأننا نشكل شعباً.. فريداً ". اما في انجلترا، وفي اجواء وعد بلفور الممنوح عام 1917 فقد بعث (حاييم وايزمان) بهذه الملاحظة الى وزارة الحربية "اننا بعرضنا الحل الذي توصلنا اليه انما نسلم مصيرنا القومي والصهيوني لوزارتي الخارجية والحربية الملكيتين، على امل النظر الى المشكلة على ضوء المصالح الملكية ومبادىء المحميات بالتفاهم ". ولإبراز مدى التآخي والتوأمة بين العنصرية واللاسامية لا بأس من التذكير هنا بان بلفور نفسه كان متعصباً ضد السامية ففي عام 1905 كان من بين الذين قادوا الحملة النشيطة لتأييد (قانون الاجانب) اي لمنع دخول اليهود الروس المضطهدين الى الاراضي البريطانية. ولم يكن يقصد من وراء وعده المشهور (الذي عارضه اشد معارضة، الوزير اليهودي الوحيد في مجلس الوزراء وقتذاك (اللورد مونتاغو) غير التخلص من فئات اليهود بتوجيههم الى فلسطين اذ لم يكن راضياً عن تواجدهم في بريطانيا. وما حصل بعد ذلك من مجابهة مع الانجليز، انما كان اشبه بما حدث في جنوبي افريقيا ضد الدولة الأم. دون تشابه بالصراع ضد الاستعمار، فحينما ثار العرب الفلسطينيون بين عامي 1936 و1939، على التسلط البريطاني والاستعمار اليهودي معاً، قمع الجيش البريطاني بمساعدة الميليشيات الصهيونية، تلك الحركة الصادقة في مكافحتها للاستعمار.
لان الصهيونية السياسية المجردة من جميع زخارف الاسطورة التاريخية التي تزعم انها قامت على اساسها، لا تعدو ان تكون في جوهرها ظاهرة استعمارية، اما وجه اختلافها الوحيد مع الاستعمار التقليدي (من الطراز الانجليزي او الفرنسي مثلا)، فهو في ان المقصود هنا ليس استغلال السكان الاصليين كيد عاملة رخيصة او كوسق لتصريف منتجات الدولة المستعمرة، بل اقامة مستعمرة للاستيطان هدفها ليس فقط استغلال "ابن البلد" بل الحلول محله، بتجريده من ارضه وطرده منها بغية الاستيلاء على عمله، واضطراره الى الرحيل او البقاء اعزل سياسياً، بتطبيق التمييز العنصري ضده، وهذا ما يطابق مدلول شعارات الصهيونية السياسية في اسرائيل: ارض يهودية، عمل يهودي، دولة يهودية!! وتعويضاً عن فقدان اي اساس للمطالبة "بالحقوق التاريخية" يستخدم الصهاينة المذبحة التي ارتكبها هتلر بحق اليهود اسوأ استخدام في حجة اخرى تستند هي على الاقل الى حقيقة تاريخية. من المعقول جداً لدى الصهاينة الذين لا يحاولون تبرير عقائديتهم بالاساطير، اهتمامهم المشروع بايجاد ملاذ لضحايا الاضطهاد، بيد انه لا يعقل حل هذه المسألة بازالة مظلمة عبر ارتكاب جرائم اخرى، اي طرد شعب والاستيلاء على اراضيه، لا دخل له بالجريمة الهتلرية ضد اليهود. واذا كانت اعمال الاضطهاد والقتل، التي كان يهود من ضحاياها في عهد الحكم النازي، تتطلب تكفيراً، فلا يعني ذلك فرض التكفير على من لا يد له في الجريمة. يظن البعض - والصهاينة السياسيون بالذات - ان الحل الوحيد لقضية سلامة اليهود هو انشاء دولة يهودية. وهذا غير واقعي على الاطلاق، فاية دولة عبر التاريخ كله كانت بمعزل عن الدمار؟ كذلك حال "الممالك" الاستعمارية والمنشأة - كالدولة الصهيونية ضد ارادة السكان الاصليين - فان اياً منها مهما بلغت قوتها العسكرية لم يستمر بقاؤها. ثم ان تجربة العملية الاستعمارية بشأن اقامة دولة صهيونية في فلسطين، مدفوعة - بطبيعة تكوينها العنصري - الى اتباع سياسة توسعية لتأمين "المجال الحيوي" (اي توفير مكان لهجرات غير محدودة) هذه التجربة اظهرت خلال نصف قرن ضرورة استمرار حالة الحرب المقرونة بتزايد القلق على المستقبل. حتى ان اشد الامكنة في العالم تهديداً لسلامة اليهود اليوم هو، دولة اسرائيل اليهودية.. والاكثرية الساحقة من يهود العالم (80%) تعي ذلك تماماً ولهذا فهي فضلت البقاء في اوطانها الاصلية. ورغم مرور نصف قرن على التجربة، فان عدد اليهود الذين يغادرون اسرائيل هذه الايام هو اكبر بكثير من عدد القادمين للاستقرار فيها. ولكن، حتى ولو وافقنا على ان انشاء دولة يهودية هو الحل الوحيد او الممكن فما كان لأحد ان يعترض، على تقديم قطعة ارض المانية للناجين اليهود من المذابح النازية، على سبيل التكفير او التعويض، على ان تقام على تلك الارض دولة مستقلة تماماً، تدعمها اموال الاوروبيين المذنبين او المتواطئين!. ذلك ان مذابح اليهود انما تخص التاريخ الاوروبي. وتحمل العار النازي اما الزعم بالتكفير عنه على حساب العرب - البعيدين عنه ايما بعد - انما هو مبادرة استعمارية خالصة، وهناك من يحاول تبريرها بالقول بتواصل تاريخي بين اسرائيل التوراتية وبين دولة اسرائيل الحالية. وهو تواصل قمنا بتبيان طبيعته الوهمية. هنا يكمن الغموض المزدوج في صميم الحجة الغربية (حجة حرق اليهود بيد الالمان) التي يجري التذرع بها لتبرير مشروعية قيام دولة اسرائيل فوق ارض مسروقة من العرب! حرق اليهود - او "الهولوكوست" - يشير اليه (جيرشوم شولم) في كتابه (فكرة الخلاص في اليهودية) فيقول: "الهولوكوست واسرائيل وجهان لنفس الحدث التاريخي". اما (ابراهام هيشل) فيقول في كتابه (اسرائيل صدى الخلود): "دولة اسرائيل هي جواب الله على احداث اوشفتز". وهذه "المحرقة" التي يجري باسمها تبرير مشروعية وجود دولة اسرائيل، بل وكل مفاسد سياسة زعمائها، قد راج استخدام جريرتها الى حد يتطلب وقفة تفكير وتأميل. قبل كل شيء، فان لكلمة (هولوكوست) نفسها صبغة دينية، فهي تعني التضحية الدينية المتمثل في تقديم القرابين، او الاضحيات الى احد الالهة، وهذا المصطلح بعيد عن تصوير ما حدث في المانيا خلال الحرب العالمية الثانية، لان جريمة هتلر ضد اليهود لا تتسم باي طابع ديني، فهي قضية سياسية متصل بجملة قضايا بعيدة المدى. لكن المقصود من ابراز "الهولوكوست" هو عزل اليهود عن بقية ضحايا هتلر في حرب ضروس قضت على اكثر من ستين مليوناً من الرجال والنساء ومن المدنيين بشكل خاص، ابيد ثلاثة ملايين بولوني غير يهودي واكثر من ستة ملايين سلافي غير محارب. فهل من مصلحة اليهود انفسهم ان الانفصال عن مجموع الذين عانوا من الفاشية الهتلرية وكافحوها؟ اذن لماذا يكون للموت طابع "مقدس" بالنسبة لواحدة من فصائل البشرية؟! ثم ان هذا التخصيص يحجب ايضاً حقيقة الهجمة الهتلرية، لانه من غير الممكن التعريف بالنازية عن طريق احد مظاهرها العنصرية المناهضة لليهود!! وحيث ان نفس معسكر الاعتقال قد جمعني بصديقي برنار ليكاش، مؤسس "الرابطة العالمية المناهضة للعنصرية واللاسامية" فأذكر ان دوافعنا كمناضلين من اجل الحرية، كانت متماثلة، ونحن في المحنة والمعركة اخوان وحدتنا هذه الاخوة ولا اذكر ادنى حديث مشترك فيما بيننا جرى فيه اي تنويه بانه يهودي وبأني لست كذلك.
وقد سعد جميع اصدقائنا رفاق المعتقل، حينما ساعده عمدة مدينة نيويورك "لاغرديا" على استرجاع حريته. كما استشعرنا جميعاً بنفس الالم الاخوي حنيما علمنا، بعد بضع سنوات بنبأ موته. ان اطلاق التسمية "هولوكوست" (اي محرقة القرابين) على مذبحة اليهود لا يرمي فقط الى عزل اليهود عن بقية ضحايا الهتلرية (الستين مليون قتيل) والى حجب حقيقة العدوان الهتلري، بل الى حمل الناس على الاعتقاد بان هذه المذبحة ذات المسحة "الروحانية" تعود فقط الى التاريخ اليهودي باعتبارها فترة خاطفة من اضطهاد ازلي ناتج عن اصطفاء الهي ابدي. بل تقصد هذه التسمية الى اقتطاع تلك الجريمة من التاريخ الاوروبي، اي الى حمل الدنيا على تناسي جرائم الامبريالية النازية - ضد اليهود وغيرهم - وهي امتداد لجرائم الامبريالية الغربية جمعاء، بدءاً بإبادة عشرات الملايين من الهنود الحمر الامريكيين ومروراً بتقتيل اكثر من مائة مليون زنجي في افريقيا، لنصل اخيراً الى اختطاف عشرة ملايين من المستعبدين الى القارة الامريكية. اذاً فالابادة الجماعية التي قام بها هتلر ضد اليهود ليست هي الاولى بين جرائم الامبريالية، ولا تلك التي خلفت اكبر عدد من الضحايا كما ان تقديس ما حل باليهود دون غيرهم، ليمتازوا بالهولوكوست يعني التستر على على الاسباب العميقة الكامنة وراء تلك الابادات الجماعية، والحيلولة دون اشتراك اليهود مع بقية ضحايا تلك الجرائم، في مكافحة جذورها، واستبعاد اسرائيل من التاريخ العالمي، واقتطاعها بوجه خاص من العالم الثالث. عندما اعلن "ارييل شارون" في خطاب موجه الى مندوبين يهود اجانب في لقاء تم في (غوش اتسيون): "لنا الحق في ان نطلب كل شيء من العالم كله فنحن كيهود لا ندين بشيء لاحد بل ان الاخرين هم المدينون لنا". اجاب (بعاز افرون) مستنكراً هذا التفريق بين اليهود و"الاخرين" اي بقية سكان العالم قائلاً: "الاخرون هؤلاء، اي باقي العالم، سوف يردون علينا بقولهم، انها مسألة لا تتعلق الا بكم وبالاوروبيين، ففي الصين وفي الهند وفي اليابان، وفي افريقيا، وفي العديد من مناطق امريكا اللاتينية - اي حيث يعيش ثلاثة ارباع سكان الكرة الارضية - قليل من الناس سمع بكم اذ لم يجر اضطهادكم، او قتلكم، ليكون لكم اي حق. وبصراحة، فحينما تظاهرتم بذلك، كان هدفكم الاشتراك مع البيض والاستعماريين في استغلال السود والاسيويين والهنود الحمر. واذا اردتم تصفية الحسابات في تلك الاجزاء من العالم، فستكتشفون ديوناً مستحقة عليكم. والافضل عندئذٍ هو التوجه الى امكنة اخرى حيث ينبغي عليكم ان تصفوا حساباتكم مع الاوروبيين دون غيرهم فامضوا اذن لمناقشة الذين تقاسمونهم الثقافة ودعوا "العرب" وشأنهم. وبالمناسبة هناك شيء آخر، ما الذي تفعل بنادقكم الرشاشة "عوزي" و"جليل" بين ايدي القوات القمعية في السفادور؟" ويستطرد (بعاز افرون ) قائلاً: "اما الاوروبيون فيستطيعون الرد عليكم: لا تنسوا ان ملايين الروس والبريطانيين والفرنسيين قد لقوا حتفهم في صراعهم ضد المانيا النازية وفي تغلبهم عليها، كانت نجاتكم، واذا كانوا قد شهدوا مقتل جيرانهم، فانهم لم يعثروا لكم على اثر". وعلى العكس من ذلك، وبدلاً من التفرقة بين اليهود وبين غير اليهود - كما كان دأب هتلر - لو اعتبر قتل النازيين لليهود الاوروبيين جزءاً من كل، اي جانباً من المشروع الهتلري الموجه ضد جميع الذين يدافعون عن كرامة كل انسان، عبر محاربتهم للنازية، لارتقى موقف اليهود الى ارفع المراتب التاريخية.
تتمسك الصهيونية السياسية "بالاستثناء" والتفرقة، تعزيزاً للفكرة القائلة بان اليهود لا يستطيعون العيش بأمان في الشتات (دياسبورا) ولكن في دولة منفصلة فقط. كما لو ان الدولة، وحتى الممالك، مهما بلغت من القوة، لم يجتحها احد، ولم يلحق بها الخراب، ولم يتناهب الغزاة اهلها. ثم ليس صحيحاً ان الصهيونية السياسية - في مشروعاتها او في انجازها للدولة - قد انقذت اليهود، بل انه تم انقاذ اليهود من النازية بفضل انتصارات ستالينغراد والعلمين. ولولا هذه الضربات الموفقة للاندفاع الهتلري الى الشرق، لباتت فلسطين - وضمنها الصهيونية او بدونها - رهينة الارهاب النازي. ان السبب البعيد لهذا التزييف التاريخي الذي قام به الصهاينة هو سبب سياسي. فالمقصود من تلك "الاستثنائية" هو انتزاع دولة اسرائيل من المجموعة الدولية واعتماد علاقات مع بقية الدول، لا تكون طبيعية وقائمة على التفاهم المتبادل، والمصالح المشتركة، والغايات السلمية الخلاقة، بل علاقات استثنائية يتحكم بها الشعور بالذنب الى حد يكفي عنده التلويح بمحرقة "الهولوكوست" ليصبح كل شيء مسموحاً به للتضحية المختلفة من غيرها، بما في ذلك تسديد التعويض عن جرائم الامس.. ولهذا رفعت اخيراً "المساعدات الخارجية" المقدمة من الولايات المتحدة الامريكية وحدها، الى اكثر من (750) دولاراً سنوياً، للفرد الواحد في اسرائيل، اي اكثر من ضعف المدخول القومي السنوي للفرد الواحد في افريقيا. وماذا يكون الحل لو جعل الهنود الحمر الامريكيون "باقي البشر" يعوضونهم عن مذابح الابادة التي تعرضوا لها، او لو طالب سود افريقيا "بالدين" بالمترتب على البشرية لقاء استعبادها مئة مليون ضحية منهم؟ ونتيجة ذلك التمسك من جانب الصهيونية السياسية بالترويج لوهم الاستثناء والتميز، كانت عزلة تامة. ترى صورتها في عزلة اسرائيل داخل منظمة الأمم المتحدة، حيث لم تكن لتتحدى كل شيء لولا الدعم غير المشروط وغير المحدود من الولايات المتحدة الامريكية.. ولكن، اذا توقف الدعم الخارجي ذات يوم (كما حدث في الماضي مع الصليبيين، بشأن الاسلحة والاموال) فان الارتباط المالي والعسكري للدولة الصهيونية سيكون له من التأثير ما يكشف عن اسوأ كارثة تكون اعدتها الصهيونية السياسية لليهود جميعاً. وللتستر على هذه الحقيقة الرهيبة، يعمد الزعماء الاسرائيليون الى استخدام كل الوسائل لتصوير انفسهم وكأنهم كل يوم على حافة الزوال (في محرقة هولوكوست جديدة!!). وفي سبيل ذلك، فهم بحاجة الى اذكاء السامية في الخارج والى التهويل "بالتهديد العربي" في الشرق الاوسط. بينما امتدت مذابحهم، من دير ياسين الى صبرا وشاتيلا. وهكذا، فان الزعماء الصهيونيين الاسرائيليين، سواء نسبوا انفسهم الى اليسار ام الى اليمين، او كانوا اعضاء في الحزب العمالي ام في "الليكود"، او كانوا ناطقين باسم الجيش او باسم الحاخامية، يتذرعون دوماً وابداً بذرائع توراتية لتبرير كل مطالبة بأرض لانه يكفلها لهم "حق الهي" بامتلاك فلسطين. ويجري كل هذا، كما لو ان بالامكان ابراز صك هبة مهور من الله، من شأنه اثبات حق نزع الملكية من كل شاغل لتلك الارض. هذا المفهوم "للوعد" وكذلك وسائل تحقيقه (كما يستقيها زعماء الصهيونية السياسية من كتاب يوشع، ومن الانتصارات التي حققتها بأمر الرب وعونه، في استئصاله شأفة الشعوب السابقة) وبالاضافة الى مسائل "الشعب المختار" و"اسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات"، كل هذا يشكل الاساس الايديولوجي للصهيونية السياسية. وقد دأب الاستعماريون في كل الزمان وبين جميع الشعوب، على تدبير "تبرير" لكل ما يقومون به من استيلاء على الاراضي واغتصابها والتحكم بها، وكانت حجتهم، دوماً هي التفوق الثقافي الذي يخول الغازي حق القيام "بمهمة حضارية" يضطلع بها بنو جنسه ازاء الآخرين. كما كان التحجج بالدين ونشره مساعداً قيماً في عملية الغزو الاستعماري، وعلى الاخص، في احكام سيطرة مجموعة اجتماعية على مجتمع آخر. وعندما يكون الشعب "مختاراً من الرب" موظفاً لدى المطلق، يمكن ان يبيح لنفسه كل شيء. فالفرنسيون هم اليد التي يحركها الله، وهم الصليبيون. واسبانيا الملوك شديدو التمسك بالكاثوليكية، هي بلد محاكم التفتيش وابادة هنود امريكا الحمر. و"روسيا المقدسة" هي مرتبكة المذابح بحق اليهود (البوغروم)… و(الله معنا) كان شعار المانية بسمارك، قبل ان تصبح المانية هتلر ومعتقلات "اوشفتز".
وكان الكاردينال سبلمان يخاطب الامريكيين المرسيلن الى فييتنام بقوله: "انتم جنود المسيح"؟! وفي عام 1972، كان (فورستر) رئيس وزراء جنوب افريقيا، الشهير بتمييزه العنصري المتوحش، ينادي: "لا ننسى اننا شعب الله، المرصود لأداء رسالة". وفي مأثورات الدين اليهودي: "الاختيار" هو اصلاً "اختيار بواسطة العذاب" وهو بحث روحي رفيع، يعود الى المسؤولية والتضحية لدى من تلقى امانة الرسالة الالهية. ولكننا نذكر مرة اخرى بان انتقادنا موجه كلياً الى الصهيونية السياسية التي تستغل موضوع الاختيار - بما فيه الاختيار بالعذاب - (كما سبق ايضاحه عند الحديث عن الاستغلال السياسي للهولوكوست) باستعلاء استعماري، يتمثل دائماً في دأب الاستعمار على التبرير، نظراً لادعائه تحمل المسؤولية والتضحيات المؤلمة، وهذا ما كان (روديارد كبلنغ) مثلاً يعنيه "بعبء الرجل الابيض".
وتعتبر فكرة "الشعب المختار" صبيانية، من الناحية التاريخية. لان جميع الشعوب قد عبرت في الكتابات الصادرة، عن تحسسها لتميز خاص بها، يصور الواحد منها بانه هو "المختار" فلماذا يؤخذ بكتابات شعب، ولا يؤخذ بغيرها؟
وكذلك فكرة "الشعب المختار" - ايضاً - فهي اجرامية، من الناحية السياسية، اذ تكرس مشروعية الاعتداء، والتوسع، والتسلط.
كذلك لا يمكن تحمل فكرة "الشعب المختار" من الناحية اللاهوتية، اذ ان افتراض وجود "مختارين" يستتبعه وجود "مقصيي".
وكل سياسة تدعي قيامها على الوهم، تقود اذن الى انكار الآخرين ورفضها. وليست العزلة ديناً، لان الانسان المنعزل، المكتفي بنفسه، لا اله له على الاطلاق. والاستعمار الصهيوني لا يشذ عن هذه القاعدة، فلقد رأينا كيف يجزم الصهاينة بإنكار اي وجود للشعب الفلسطيني (غولدا مائير) وبطرده ومطاردته، من دير ياسين ومن بيروت (بيغن) في انتظار ما يتبع. وما يشد الانتباه، في ظاهرة توجيه الاهتمام الاسرائيلي الى بعض نصوص التوراة، تشكيل الصهيونية السياسية في الاصل رداً على احتجاج ديني يهودي من جانب الحاخامات عام 1897، اذ يرى في استعادة ارض فلسطين بواسطة المال والسلاح، خيانة لأسمى قيم اليهودية وانبلها. وعندما بدأ "تيودور هرتزل" حملته عام 1880، استبعد اقتراح عقد مؤتمر في ميونيخ، نتيجة لمعارضة الحاخامين الالمان، القائلين بان "محاولة تأسيس دولة قومية يهودية في فلسطين، هي مخالفة لوعود اليهودية بالخلاص" . وكان (البرت اينئشتاين) قد قال في الثلاثينات: "برأيي ان التوصل الى اتفاق مع العرب على اساس حياة مسالمة مشتركة، هو اكثر حكمة من انشاء دولة يهودية. فما اعهده في جوهر الديانة اليهودية يصطدم بفكرة دولة يهودية ذات حدود وجيوش ومشروع سلطة زمنية مهما كانت متواضعة. كما اخشى الاضرار العميقة التي ستلحق باليهودية نتيجة تغلغل القومية ضيقة الافق، في صفوفنا. فنحن لسنا ابداً يهود عصر المكابيين. وعودتنا من جديد الى تشكيل امة بحسب المعنى السياسي للكلمة، انما تعني النكوص عن روحانية طائفتنا. التي ندين بها لعبقرية انبيائنا" .
ان الاكثرية الساحقة من الاسرائيليين في الوقت الحاضر لا تشارك لا في العقيدة اليهودية ولا في طقوسها.
كما ان مختلف "الاحزاب الدينية" - التي تؤدي دوراً حاسماً في دولة اسرائيل - لا تضم سوى اقلية ضئيلة جداً من المواطنين. ولهذه المفارقة البينة تفسير يورده (ناثان ونستوك) في كتابه عن الضرر الذي الحقته الصهيوني بإسرائيل فيقول: "اذا كان التعميم الحاخامي ينتصر في اسرائيل، فذلك لان التدين الصهيوني لا يستطيع التماسك دون سند من الديانة الموسوية. والغاء مفاهيم "الشعب المختار" و"ارض الميعاد" يقوض اركان الصهيونية. وهذا يفسر السبب في استقاء الاحزاب الدينية قوتها من التواطؤ مع الصهاينة الغنوصيين - اللاأدريين رغم ما في هذا من مفارقة منطقية. كما ان التماسك الداخلي للتركيب الصهيوني في اسرائيل، قد فرض على ساستها تقوية سلطة رجال الدين.. فبإيعاز من بيغن، كان الحزب الاجتماعي الديمقراطي (ماباي) هو الذي وضع دروس الدين الالزامية وفقاً لمناهج التعليم، وليس الاحزاب الدينية" النتيجة الرئيسية لهذه الاستحالة في الفصل بين الكنيس والدولة، تمثلت في ان دولة اسرائيل لا تزال دون دستور، رغم مرور 44 سنة على انشائها. وذلك "من اجل تجنب المجابهة مع احزاب القسس، التي تطالب بجعل التوراة القانون الاساسي للدولة. وهذا الطابع الطائفي التمييزي ينسحب على المبدأ الاساسي للدولة الصهيونية. مبدأ تحديد "اليهودي" الذي يستطيع وحده الافادة من شرعة (العودة).
قانون "العودة" هذا (5710-1950) يشترط ما يلي:
اولاً: لكل يهودي الحق في الهجرة الى اسرائيل.ثانياً: استجابة لمطالب هذا القانون، يعتبر يهودياً كل شخص مولود من ام يهودية او متحول الى الديانة اليهودية، ولا يتبع اية ديانة اخرى" اذن لا معيار آخر سوى المعيار العنصري (انتقال الدم من الأم) او الديني (التحول) الذي لا يعتد به الا اذا تم التهود على يد حاخام تقليدي (اي غير مجدد). وايديولوجية التبرير الخاص بالصهيونية، تتذرع بالوعد الوارد في سفر التكوين (15-18): "في هذا اليوم، عقد المولى تحالفاً مع ابراهيم بموجب هذه الكلمات: لذريتك سأعطي هذه البلاد، من نهر مصر حتى النهر الكبير، نهر الفرات". وقد سبق لنا التذكير بانه لا يوجد خارج "العهد القديم" انه اشارة او وثيقة تعود الى هذه الحكاية القديمة عن اسرائيل. مما يستوجب التساؤل: اتستطيع انه مجموعة بشرية مهما كانت ان تفرض على بقية الشعوب القبول بمجرد ايمان تلك المجموعة بتقاليدها الموروثة كقاعدة لوجودها؟ هذا فضلاً عن ان جميع شعوب الشرق الاوسط (من بلاد ما بين النهرين الى مصر، مروراً بللاد الحثيين) قد عرفت نفس الوعود المعطاة لابراهيم من ارض وذرية. فلماذا لا يتذرع السوريون - كحق تاريخي والهي عائد اليهم - بالوعود التي اعطتها الآلهة "آرينا" (موطدة حدود البلاد) "لأجدادهم" الحثيين (الذين دامت مملكتهم قرابة الالف عام من القرن الثامن عشر الى القرن الثامن ق.م، خلافاً لمملكة داود وسليمان)؟ ولو فعل السوريون مثل ذلك، لاعتبرنا مزاعمهم تلك مضحكة حقاً. فلم نتخذ موقفاً آخر ازاء نصوص مماثلة عائدة لحضارة مجاورة، اللهم الا اذا كنا نعتقد - حقاً او باطلاً - بأننا ورثتها؟! من البداية، يجب اذن ان نعتبر هذه القراءة للتوراة قراءة قبلية اي قراءة ترى سلفاً ان مأثورات قبيلتنا هي وحدها الصحيحة شرعاً، ومأثورات القبائل الاخرى، حتى المجاورة منها، غير موجودة اصلاً. ان قراءة كهذه للتوراة، مقتطعة من اطار المضمون الكلي لأديان الشرق الاوسط، هي قراءة انتقائية، نظراً لاختيارها فقرات معينة، تبرر تصرفاً حالياً، ونظراً لاستبعادها بلداً م لانها تدينه. صحيح ان في "العهد القديم" قصصاً تبرر - اذا ما اعتبرت نموذجية - مذابح (اورادور) و(دير ياسين) وشراسة الاحتلال والابادة. الا ان كتاب يوشع الذي غالباً ما تستند اليه الحاخامية العسكرية الاسرائيلية في الدعوة الى الحرب المقدسة، ويعممه التعليم المدرسي يلح على الابادة المقدسة لسكان البلاد المغلوبة، بتمرير رقاب الجميع على حد السيف "الرجال منهم والنساء، والاطفال والشيوخ" (يوشع 6/21) عند حديثه عن اريحا وغيرها من المدن. ويقص علينا كتاب "الاعداد" (31-9/18) مآثر "بني اسرائيل" المنتصرين على اهل مدين.
والذين "قتلوا جميع الرجال - كما امر الرب موسى - واسروا النساء، وحرقوا كل المدن". وحينما عادوا الى موسى "غضب موسى منهم وقال: ماذا؟ لقد ابقيتم جميع النساء على قيد الحياة؟ حسناً، هيا اقتلوا الان كل الصبيان، وكل النساء اللاتي جمعهن بالرجال حضن الزوجية. اما الفتيات فاستبقوهن لأنفسكم" (15-18).
هذه الروايات هي من صنع اللاهوتيين الذين ارادوا الافصاح عن ايمانهم برب لا يقهر، رغم هزيمة شعبه. بينما كان الاشوريون يرون في انتصارهم انتصاراً لإلههم، آشور، على "يهوه" المهزوم. لذا، شدد لاهوتيو عصر المنفى على القول بان السبب في هزيمة شعبهم لا يعود الى ضعف الههم "يهوه" بل الى معاقبة "يهوه" لهذا الشعب الخائن له. ان تكاثر حكايات المذابح والابادات المقدسة يشكل انتقاداً للطريقة التي كان الملوك يقودون بواسطتها الحروب ويستفيدون منها. ففي مفهوم "الحرب المقدسة"، لا يجوز جني الفوائد من الانتصار. وهذا اعتقاد وتطبيق مألوفان في ذلك العهد، في ذلك الجزء من العالم. "اللعنة" التي تستتبع استئصال المغلوبين وقطعان ماشيتهم ايضاً، فهي الحنث باليمين المتمثل في التخلي عن كل غنيمة تتوفر بعد نصرالله، فلا يباع المهزومون كعبيد، ولا يستولى على ماشيتهم، بل يدمر كل شيء… وهذه هي الابادة المقدسة!! وكمثل واحد، بين العديد من الامثلة، على ذلك التلفيق للأساطير التاريخية، يبرز "احتلال اريحا" وما نسج حوله من خرافات كأبلغ مثال في هذا المجال. بعد ما اثبت علم الآثار ان "اريحا قد دمرت في القرن الرابع عشر ق.م. اي انها كانت جرداء قاحلة في عهد يوشع" ومع ذلك، تستخدم هذه الترميمات التاريخية في المدارس الاسرائيلية، لتنمية بذور التعصب في نفوس الناشئة.. فقد اجرى العالم النفساني (تاماران) - الاستاذ في جامعة تل ابيب - الاختبار التالي: وزع على اكثر من الف طالب في فصول دراسية تتراوح ما بين الصفين الرابع والثامن (حيث يدخل كتاب يوشيع في المنهاج) قصة مذبحة اريحا كما رواها يوشيع.
وطرح السؤال التالي "لنفترض ان الجيش الاسرائيلي يحتل قرية عربية اثناء الحرب، افيجب عليه ان يذيق سكانها نفس المصير الذي رصده يوشع لسكان اريحا؟" - وتراوحت الاجابات بـ"نعم" بين 66 و 95 بالمائة، حسب انتماء الطالب للمدرسة او للكيبوتز او للمدينة . وكان لنشر نتائج هذا الاستفتاء، الذي كشف عن الوجه الحقيقي لذلك المجتمع، ثمن باهظ، اداه الاستاذ "تاماران" عندما وجد نفسه مطروداً من الجامعة!. وهذا هو غسيل للادمغة في المدارس، يتم بدعم من الحاخامية والجيش. واثناء الغزو الاخير للبنان، لم تكف هيئة التوجيه العسكري عن الدعوة الى الحرب المقدسة التي اعطى خلاصة مراميها حاخام (برتبة ضابط) بالقول:
" علينا ان لا ننسى المصادر التوراتية التي تبرر هذه الحرب وتواجدنا هنا. اننا ننجز واجبنا الديني اليهودي (ميتزفا) بتواجدنا هنا.. وفقاً لما هو منصوص عليه من ان الواجب الديني (ميتزفا) يقضي بإخضاع الارض ودحر العدو" .
اذاً اننا امام قراءة انتقائية من التوراة، لا نقدية، ولا تاريخية، لا نتناول سوى ما يمكن ان يضفي الشرعية على الغزو وعلى اساليبه الوحشية. وان في "العهد القديم" مرويات اخرى تتسم بروحانية مغايرة تماماً.
قبل كل شيء، وفي ما يتعلق بالوعد او الميعاد، تتضاءل نظرة ابراهيم الى نفسه كمالك لارض كنعان، الى حد مغالاته في مجاملة "افرون" الحثي في حيرون الخليل، ليشتري منه حقلاً في "المكفيلة" لقاء قبر يدفن فيه زوجته سارة (سفر التكوين 3-20) مثل آخر على تلك الازدواجية في المرويات:
قيل في كتاب القضاة (1-8) ان ابناء يهودا، بعد موت يوشع، استولوا على اورشليم القدس وابادوا سكانها.
ثم قيل عكس ذلك في نفس الكتاب (1-21). اما بالنسبة لليبوسيين، الذي كانوا يسكنون اورشليم مع ابناء بنيامين منهم ما يملكون، واقام اليبوسيون في اورشليم مع ابناء بنيامين حتى يومنا هذا. كذلك نرى في ثاني كتاب لصموئيل، عدم اكتراث داوود للأرض بانها "موعودة" الى حد شرائه - من ملك اليبوسيين، في هذه الرواية، هو "آرينا" حقلاً لبناء الهيكل فوقه لقاء 50 شيكلاً من الفضة (24/4). ويحكي الكتاب الاول من الحوليات كيف ان داوود اشترى تلك القطعة من الارض (21/18-25) وان ملك اليبوسيين هذا هو "ارنان" وان الثمن كان (600) شيكل، فان مثل هذا التناقض لا يعتد به لان ما يهمنا بهذا الصدد، هو ان داوود لا يتصرف كمالك، ولا يسعى ابداً لطرد السكان الاصليين، بل انه، على العكس، يتفاوض بمنتهى الكياسة واللطف - كإبراهيم من قبل -. والامر نفسه بالنسبة للأساليب.. فكتاب القضاة يورد عن الدخول الى ارض كنعان رواية مناقضة لما يرويه كتاب يوشع، الذي يشير الى ان القبائل المتحدة تحت لواء دولة واحدة، وقيادة واحدة، كانت اثناء مرورها تقتل السكان. بينما يشير كتاب القضاة الى الدخول الى كنعان بدأ بتسلل بطيء مسالم على الاغلب، وعنيف احياناً ولكن دون مجابهات كبيرة مع سكان المدن الكنعانية، المزودة بعربات قتال يصعب منالها على القبائل الرحل، التي تعمل كل منها لحسابها الخاص. ونشيد انتصار "ديبورا" - الوارد في الفصل الخامس من كتاب القضاة - هو احد اقدم نصوص العهد القديم، وشبه بالالحان الحربية لدى المصريين في عهد تحوتمس الثالث ورمسيس الثالث. ومقطع نادر في رواية مآثر النصر، اذ لا تهيمن عليه عقلية الحرب المقدسة، والابادة المقدسة، كما تهيمن على رواية يوشف، فيه دعوة متكررة بعيدة عن الاستئثار، ورفض الاندماج، والغاء وجود الاخرين وتحطيمهم، تنادي "احبوا الاجنبي. لانكم كنتم في بلاد مصر اجانب" كما ان فيه مناهضة لكل تمييز: "سيطبق نفس القانون على المواطن وعلى الاجنبي المقيم بينكن". فالتحرير لا يعني ابداً الحلو محل الطغاة السابقين.
8- سياسة إسرائيل العنصرية: واقع استعماري
"غير يهود.. قتلوا غير يهود"ز تصريح بيغن عقب مذابح صبرا وشاتيلا 27 سبتمبر 1982).
ليس هناك شارح جاد لا يقر اليوم بان اقدم النصوص التوراتية المسماة بمصدر "يهوه" قد تم وضعها فيما بعد، في عهد سليمان، ونتجت عن تجميع احاديث تناقلها الرواة. وهذه الروايات التوراتية الناقلة لملاحم حدثت قبل عدة قرون تصبح، بعد اخضاعها لمعايير "الموضوعية" التاريخية - فاقدة للمضمون التاريخي ولا تحمل منه اكثر مما تحمله "الالياذة" او "الراميانا".
ووفقاً لوجهة النظر هذه فانها تبدو من الزاوية الايجابية التاريخية تبدو محدودة الافق، مجردة من العاطفة، ولا تكترث الا "بالاحداث" دون "المعاني". كما تنعدم فيها كل حقيقة تاريخية ينطوي عليها "الوعد" المعطى لابراهيم، و"التحالف" و"الاختيار" والتضحية بابنه اسحاق، و"الخروج"، وشخص "موسى" نفسه!
اذن، فمن وجهة النظر العملية (بالمعنى الضيق للكلمة، اي بمعناها الايجابي التجريدي) لا يتبقى شيء على الاطلاق من الوعد، والاختيار، والتحالف ومن كل تاريخ اسرائيل حتى حكم داوود.
ولكن، ونعلى العكس من ذلك، لو القينا نظرة شاملة على التاريخ، نظرة انسانية محضة، اي لو بحثنا في اروقة الماضي عن كيفية صيرورة الانسان انسانياً. وعن المبتكرات "الشعرية" التي سعى الانسان بواسطتها - وخلافاً لباقي المخلوقات الحية - الى اكتساب معنى لحياته، وعن صور البطولة والتقديس التي تصورها او عاشها لبلوغ الحد الاقصى من تحقيق الذات، عندئذٍ تحقق المشكلة التاريخية نقلة الى الامام.
وليست المشكلة في ان نعرف ما اذا كان ابراهيم قد ولد فعلاً في "اور" بأرض "كلدانية" (وهي مغالطة تاريخية، على كل حال وما اذا كان خط سيرته هو الموصوف لنا، وما اذا كان الرب قد تجلى له (وبأية صورة؟) ليعده ويهبه ارضاً او ذرية.. او ان نعرف اي جبل كان فوقه "شوك النار" لدى موسى، وما اذا كان (يوشع) هو القائد العام للقبائل وقاتل الكنعانيين (كما صار آخرون، بعد قرون عديدة، قتلة الهنود الحمر الامريكيين؟)..الخ.
ان المشكلة مختلفة كلياً ولا تستبعد الالتزام بالدقة العلمية الاكثر الحاحاً بل تفرضها وتفترضها سلفاً، وهي التالية:
في اي زمن، وفي اية احوال تاريخية، وفي اية جماعات بشرية ومن اجل اي هدف، اختلفت هذه الروايات التأسيسية، والحاسمة بالنسبة لتشكيل الانسان والحياة والابطال الحقيقيين او الاسطوريين؟ان اليهود قد استطاعوا ان يتصوروا وان يبدعوا صوراً خرافية شفوية منقولة عن اجدادهم. ولقد عملوا على تطبيق خرافاتهم على أرض الواقع التي تهدف فعلا الى ابادة الشعب الفلسطيني لللاستلاء على وطنه ممارسة للخرافة اليهدية المسماة ب "الأرض الموعودة" (على طريقة سند الملكية، او برنامج سياسي، يشبه ما تجهر به الصهيونية السياسية من مزاعم مضحكة قاتلة) بل لتقبل.
واذا قبلنا بما يقره المفسرون العلميون المعاصرون من تاريخ يثبت ان اقدم مسجلي الاحداث الجارية، من يهوه، لم يدون شيئاً قبل عصر الملك سليمان، فاية "رسالة" كان يقصد تبليغها لمعاصريه ؟
ويرى البعض - مثل فون راد، في كتابه عن "لاهوت العهد القديم" - تأكيداً لشرعية ملكية داوود في نص اليهودي (دحضنا لتطلعات التجمعات القبلي السابق) وآخرون - مثل "البير دي بوري" يؤكدون على الجانب النقدي، لا الحماسي، من مدونات الـ"يهوه"، الذي ينوه بان تدبير الله و"وعده" سيحققان رغم دناءة الذين قد اختارهم. كما يبين هفوات صدرت ضد "الوعد" نفسه، حتى من ابراهيم بالذات، اذ لم يلتزم اثناء اقامته في مصر بجانب الوعد، الارض، (التي تخلى عنها) والذرية (التي يهددها تخاذله بإدخاله زوجته سارة على انها اخته الى حريم فرعون للزناء حسب الخرافات اليهود ) (سفر التكوين: 123/10-20).
ان عدم كون الرسل - وعلى رأسهم ابراهيم - شخصيات تاريخية، وكون التحالف، والوعد والاختيار، اقرب الى الاسطورة منها الى التاريخ.. فهذا لا يمنعنا من التساؤل حول ما تعنيه هذه الاساطير الوهمية، بل يدعونا للإستفسار عنه. فالتحالف هو قضية العلاقة بين الانسان وخالقه، والوعد هو، قضية العلاقة بين تقدير الله وتدبير الانسان، والاختيار، قضية مسؤولية الانسان المتسافي. كما جاء في القرآن، وفي آيات عديدة منه، القول "وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم، فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم" . والتوراة، بعد تنقيتها تكشف لنا عن روايات متتابعة للوعد والارض الذرية.. في البداية، وعد الرعاة البدو، بأرض يستطيعون الاستقرار بها (كما جاء في سفر التكوين 38/10-22) وهو وعد لا ينطوي ابداً على غزو او فتح عسكري وسياسي للبلاد، بل على مجرد الاستقرار لا تبريراً للغزو و لسيادة "الشعب المختار".
ان الارض ملك الله وحده: "اراضي البلاد لن تباع بلا رجعة، لان البلاد هي لي. ولستم سوى مهاجرين وضيوف" (سفر اللاويين 25/23) ومن اجل قطع سيطرة الانسان على الارض، قضى الله باستعادة الارض وتوزيعها من جديد في كل يوبيل زمني (اي كل 49 سنة) "ليتم تحريرها في اليوبيل، ويعود للانسان ما يخصه". والسلطة، كالارض تتعلق بالله وحده، وفي الكتاب الاول لصموئيل (8-10/18) حذر صموئيل الشعب من التنازلات التي يقتضيها انشاء نظام ملكي. ان هذا "التحرير" الحقيقي ازاء التملك والسلطة، هو الدرس الكبير المأخوذ عن خروج موسى:"لن تتصرفوا ابداً كما كان يتصرف اهل مصر، حيث اقمتم" (اللاويون 18-3) "فالتحرير" ليس هو انتقال التملك والتسلط الى يد اخرى، وصيرورة مضطهدي الامس الى مضطهدي اليوم. تلك هي رسالة الأنبياء الرائعة الى البشر، والتي خانتها وشوهتها اليهودية بتحريفها الجذري لمعنى الوعد.وكان (كارل بارت) قد كتب بان كل حديث لي عن الله. انما يقوله انسان، أي انسان معرض للخطأ، بعبارات مؤقتة دائماً، قابلة للمراجعة وعديمة الكمال. كما كتب كيركغارد "قصدت ان استقي من قصة ابراهيم الجدلية المنطوية عليها، للتحقق من اي تناقض غريب يتكون الايمان. تناقض تتحول الجريدة بموجبه الى فعل مقدس مرضٍ لله. تناقض يرد لابراهيم ابنه اسحاق. تناقض لا يحد منه اي منطق عقلاني، لان الايمان يبدأ بالضبط حيث ينتهي التفكير العقلي".
ان عقيدة ابراهيم ليست "ميراثا" يمكن لشعب ما ان يطالب به، او جنس بشري، او منشأة، او كنيسة.
ان اليهود يزورون و يعزلون من التوراة نزعات قومية عدوانية وعنصرية معينة.
ان تعريف القرآن بذرية ابراهيم هو الافضل، عندما لم يقم وزناً لا لصلة الرحم ولا لتوارث الارض، بل جعل المشاركة في العقيدة الواحدة هي الاساس، حين لبى ابراهيم نداء ربه، "فلما بلغ معه السعي قال يا بني اني ارى في المنام اني اذبحك فانظر ماذا ترى، قال يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين" (سورة الصافات 102). فبمثل هذا التسليم غير المشروط يكون تسليم كل امر انساني لتقدير الله وقضائه، وبهذا كانت البداية بالنسبة لذرية ابراهيم.
"غير يهود قتلوا غيريهود"…
هكذا وصف مناحيم بيغن، مذابح صبرا وشاتيلا، في 17/9/1982، في بيروت.
كتبت السيدة شولاميت آلوني، النائبة في الكنيست، في مقال بالجريدة الاسرائيلية "يديعوت احرونوت" عدد 25 حزيران 1978:
- "يحدث كل هذا، كما لو انه يرمي الى ادخال فكرة في اذهان يهود اسرائيل تقول بوجود فارق نوعي ومعياري بين اليهود وبين غير اليهود. ذلك هو المبدأ الذي يحكم جميع قوانين الدولة وتنظيماتها بشأن السياسة الداخلية، والاحوال الشخصية والعائلية، ومقاييس المواطنة. وهذا المبدأ هو الذي يملي علينا تصرفاتنا تجاه الاسرائيليين والعرب، والبدو، وسكان الضفة الغربية، وغزة. كما يملي وسيلتنا في الاستجابة لمطامحهم. ان اي سوء استخدام للقانون اليهودي لن يستطيع اسكات الذين يحسنون التميز بين شريعة الكهان وبين رؤيا الانبياء. ونحن لن نسمح لاي كان ان يحول اسرائيل الى معزل (غيتو) ديني، بمزاعم الخلاص المنظر، يهزأ بالسنن الشاملة للانسانية وللقانون الدولي".هذه الصرخة تفضح الانحراف الفكري في اسس اليهودية، الناتج عن توظيف الصهيونية السياسية للخرافات والاساطير في تحقيق اغراضها.
والواقع، ان مجمل سياسة دولة اسرائيل الداخلية والخارجية، مستمد - وفق منطق محكم - من الخاصيتين الاساسيتين لليهودية باعتبارها ظاهرة عنصرية استعمارية صرفة، متخفية بزي "ديني" عقائدي مزيف لتبرير سياسة قومية وعنصرية.
ان عنصرية اليهودية نظام شديد التماسك، تستمد منه دولة اسرائيل تشريعها وتطبيقها لكل قوانينها.
وهذه العنصرية هي المبدأ المكون لمشروع "تيودور هرتزل" كما كشف عنه كتابه "الدولة اليهودية" وكذلك "يومياته".
لقد هاجم هرتزل بضراوة "اندماج" اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها دفاعا عن الفكرة القائلة بان اليهود غير قابلين للاندماج في غيرهم، لذا، يتوجب عليهم الانعزال من اجل تشكيل دولة يهودية منفصلة.
وتحقيقاً لاهدافه، لم يكن هرتزل ليتردد في استخدام لهجة خاصة تناسب كلا من مفاوضيه على حدة، لاقناعه بما يمثله اليهود من مخاطر تستوجب تسهيل رحيلهم .
ففي لندن مثلاً اكد هرتزل بان لحل الصهاينة للمشكلة اليهودية "ابعاد خطر اندلاع ثورة تبدأ مع اليهود، ولا احد يعلم اين تنتهي". وهذا ما قاله هرتزل لوزير خارجية المانيا فون بولو، ولغليوم الثاني، ولوزير داخلية روسيا بليف، وللقيصر نقولا الثاني.
و حث السلطان العثماني لكي يدع اليهود يدخلون فلسطين.
و قبل كسبه اليهودي روتشيلد ، مناصراً للصهيونية عام 1902، كان يمارس عملية ابتزاز حقيقية بالتهديد والوعيد، ازاء كبار رجال المال اليهود. حينما كان يرسم في "جريدته" او يومياته، خطة حملة تدور مثلاً حول "آل روتشيلد، نموذج موضوعي لما يمثله هذا الاخطبوط من تهديد للعالم".
كذلك، وفي سبيل تعميم الفكرة القائلة بان اليهود غرباء في البلاد التي يعيشون فيها كتب هرتزل: "ان بطل الوطنية الاكبر في بريطانيا هو كبير حاخامي لندن آدلر، الالماني. ودروس الوطنية الروسية، كان يعطيها حاخام برلين الدكتور ميبوم وهو هنغاري. ومؤخراً، انضم حاخام بروكسل الى المعارضة البلجيكية واسمه (بلوخ) لا يدل على انه فلمنكي او فالوني". ان اشد الناس عداء لليهود لن يسعهم كتابة أكثر من ذلك.
وسنرى، فيما بعد، كيف ان فكرة هرتزل هذه بقيت احدى ثوابت الصهيونية اليهودية حتى يومنا هذا. فمنذ ان نزعت الصفة العقائدية عن اليهودية، واصبحت قومية، زال الاعتماد على الدوافع الدينية نحو "عودة الى ارض صهيون" ويجب، المناداة "بقومية متجاوزة للوطن" تظهر اليهود كغرباء وسط الشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها لتنشيط الهجرة و تشجيعها!
وعند موت هرتزل، احجم منفذو وصيته عن نشر النص الحرفي ليومياته كلها. الا انها نشرت كاملة في المانيا، عام 1922 و1923، في ثلاثة مجلدات مشؤومة. وعند ظهورها، قال الكاتب النمساوي جوزيف صموئيل بلوخ، الذي عرف هرتزل عن كثب: "ان رسائله الى روتشيلد والبارون هرش، واعترافه فيها بان اليهود يدبرون سرية فتنا في كل بلد يقيمون فيه، تكفي لتحطيم الشعب اليهودي. ان "يومياته" لأمر رهيب!".
ومنذ انشاء دولة اسرائيل، عام 1948، لم تعد عنصرية الصهيونية السياسية تكتفي بالعمل على بتنضيم يهود العالم اجمع، بل تجاوزت ذلك لتشمل تنضيم ابادة الشعب الفلسطيني، الذي تنفي الصهيونية وجوده وحق وجوده أصلاً.
وبهذا السؤال، فتح فصل جديد للمشكلة المثارة من جانب الصهيونية السياسية: كيف تنشأ اغلبية يهودية في بلد مأهول بمواطنين اصليين عرب فلسطينيين؟
لقد جاءت الصهيونية السياسية بالحل الوحيد المستمد من برن