CE QUE DIT L'OPPOSITION ISLAMISTE MAROCAINE
Memorandum
to him who
is concerned

Abdessalaam Yassine
Yassine

The Merciful. Peace and Prayers be upon His Prophet Mohammad

 


النص الكامل
 "مذكرة إلى من يهمه الأمر"

بقلم
الأستاذ عبد السلام ياسين
21-1-2003
[French - English - Deutsch - Spanish ]
 

بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه

"ملك الفقراء"
للملك الشاب محمد السادس رصيد من المودة تكنها له شبيبة مغربية اكتشفت فيه صاحبا لها ، رمزا لتحررها ، بشرى لها بمستقبل يبش في وجهها بعد عبوس . فخلال الأسابيع الأولى من حكمه ، وأينما ساقته حملته التدشينية ، كان الملك الشاب على موعد مع الحماس الفتي الجياش .
يستفرغ الجهاز المخزني الذي نظم جنازة الراحل الحسن الثاني جهده ليعرض على الجماهير العاشقة للتصفيق والهتاف شابا وسيما ، طلق المحيا ، سخيا بالحفاوة لمن استقبلوه بحرارة .
سِحْر العربة التليدة والأحصنة ذات الحوافر المُذَهَّبة ، نشوة المواكب المحاطة بالخيالة العصرية ، سعادة غامرة تعبر عنها الجماهير المصطفة على امتداد شوارع كُسيت حلة جديدة تليق بالمناسبة . وياله من مشهد حين تعكسه شاشات التلفزة !
مشهد جميل ! إخراج ناجح لدولة مُمَثِّلة تعرض ملحمة يدير فصولها نظام مُحنك يتقن منذ قرون فن التلاعب بالألقاب والرموز .
شباب وصدق ! الكل يدفع إلى الاعتقاد أن شعاعا يبزغ بعد ليل طويل وأن ظلام فترة حالكة ينزاح ليتنفس صبح وليد . إنه فجر سحري يعلن عن مقدم ربيع طال ترقبه .
جميلة تلك الوعود المنثورة على الرؤوس بسخاء ، لكن ما أبشع الخيبة حين تستفيق الشبيبة بعد حين من الأماني المعسولة على مرارة الواقع التعس ! فبعد الاستعراضات والاحتفالات ، سيرحل الشعر المحلق في الأجواء لِيَحل محله النثر المثقل بالبطالة والبؤس .
لن تلبث الصورة المزركشة والنية الحسنة للسلطة الرمزية الجديدة أن تخونهما الإكراهات الاجتماعية الاقتصادية ، والجوارح المستنسرة المتحفزة للاستماتة في الدفاع عن امتيازاتها والمحافظة على الظروف السياسية المُمَكِّنة لعهد الجمود . سيبذل محركو الدواليب خلف الستارة ، الفاسدون المفسدون المتمرسون بأساليب التعمية والتزييف كل ما في وسعهم لمناهضة الإرادات الشابة المبتدئة .
لا يمكن للنية الحسنة المتفتحة أن تصمد أمام دهَاء الثعالب العجوزة ، ولا يمكن استهلال صفحة جديدة وزرع حقل جديد مع جيل هَدَّه اليأس بالاعتماد على ثقافة العلاقات العامة . لا يمكن أن نمعن في ذر الرماد في عيون العالم و المغرب على شفا جرف هار ، كما لا يمكن أن ننسج علىمنوال العهد البائد بعد أن دقت ساعة الحساب .

خطوات في سبيل الخلاص
نوزع الصور والكلام بسخاء عسانا ننسى ونُنْسي بالخطبة المستبشرة المتفائلة وجهَ الحقيقة الكالح .
كأن المستشارين الشباب للملك الشاب يريدون أن يفكوا عن الشعب ضيقه بالتعزيمات الإعلامية . عجزنا عن منحهم شغلا وخُبْزاً ، فلنمتعهم بالفرجة ولنتخمهم بالابتسامات ! ألا يحرص المستشارون الشباب التقنوقراط على الاستفادة من دروس التاريخ ؟ فقد كان الواقعون تحت حكم نيرون أَحسن حالا ، لأنه كان يؤمن لهم الخبز اليومي قبل أن يتعاطى مشاهد الفخامة والعظمة .
تحسب البطانة الشابة أنها قادرة على محو الصورة المتجهمة لفترة علَتْ فيها اليدُ الجبارة لجلادي تزممارت ونفاق ديمقراطية مزيفة تشهد على نفاقها الأيمان المُعلِنة على الملإ أن الانتخابات لم تزوَّر أبدا ، وأن مقاليد الأموركانت دائما في يد الشرف والحقيقة ، وأن التناوب التوافقي ميزة للديمقراطية يحق الافتخار بها .
تُعْرِض الشبيبة الهاتفة باسم محمد السادس نهائيا عن طبقة سياسية شاركت طوعا أو كرها المَخزن الشائخ بهتانه وخيانته لمبادئ الإسلام ، نبذت إسلام المسلمين ودانت بإسلام الشعارات الخاوية . كما تُعرض الشبيبة الهاتفة عن الديمقراطية الحسنية المفرغة من كل محتوى ، الملوثة بطَعم طغيانٍ لا ملة له ولا مبدأ .
ونظرا لوعيهم بانطماس المعالم وفقدان الهوية لدى هذا الجيل الفار من مغرب البؤس على متن قوارب الموت رغم المخاطر التي يعرفها الخاص والعام ، فإن المستشارين الشباب يزاوجون بين التمائم العتيقة والحديثة من أجل إقناع هؤلاء الشبان والشابات الذين لم تعد لهم ثقة بأحد بتبني عقيدة بديلة سيتكفل النشيد الوطني والراية الحمراء في المدرسة بغرس الإخلاص لها في القلوب الفتية . وستقوم حملات التضامن والشارات المقدمة بخمسة دراهم بترسيخ دعائم الثقافة الجديدة ، "ثقافة التسول" .
لكن الإغراق في تقديم التحيات الصباحية للراية الوطنية ، واليد على الفؤاد ، واستنفاد الجهد في الصدح بالنشيد الوطني لن يلبثا أن ينهزما أمام جحافل البؤس لتفقد الصنمية الجديدة صدقيتها . لن يستطيع تغيير الترسانة الإيديولوجية أن ينفخ في المغاربة الروح الجديدة التي ستحركهم وتمنحهم الثقة بمستقبلهم . فدورات اليد المبسوطة للصدقة المنظمة سنويا تمثل تقليدا يتجذر تدريجيا في المفكرة المخزنية عساهُ يُطَبِّع علاقاتنا مع التسول .
من يخدع من ؟ هل نحاول أن ندلس على الشباب اليائس الذي يبيع ما تملك الأسرة -على قلته- ليشتري تذكرة الموت ويمتطي قوارب الخطر بطنجة ؟
من تعوزه المبادئ الصلبة والإرادة الماضية لا يستنكف من البحث عن يقينياته في سوق الشعارات الرخيصة . فلتتخموا الجياع بحكايات الوفرة ! ولتَعرضوا سراب الواحة الغَنَّاء على أنظار القطيع الظمآن في صحراء الوعود المُخلفة ! لن تكون الخيبة إلاَّ مضاعَفة ، ولن تكون النتائج إلا أشد وخامة حين تتبدد الأحلام الخلابة ، وتكشف الحقائق المرة عن ضخامة البهتان .

ميراث ثقيل
ها نحن قد أحْسَنَّا الانطلاق بتركيز جميع الآمال في شخص وجه جديد يظهر على الخشبة ! وعلى الكتفين النحيلتين لولي العهد ، البريء من جرائم الأمس ، تتكدس فجأة مسؤوليات جسام ، أولها كنس إسطبلات عفنة ، وتطهير المشهد السياسي والإداري الموبوء بنفوس متمرغة في الرذيلة ، باعها أصحابها للشيطان . وهكذا ، بعد أن كان ضحية من ضحايا الأمس ، أصبح الملك الشاب اليوم مدعواً إلى تحمل مسؤولية إنقاذ البلاد من الهوة التي تكاد تنهار فيها .
لا أحد يجهل من المراقبين للشأن المغربي-إن تحلى بقليل من اليقظة- أن النظام بأكمله في تحلل سريع ، ولا يكفي لتطبيب وضعه المعتل إرسال "الإشارات القوية" التي يحاول عبرها القصر أن يبدي حزمه ويُشَيِّد سلطته برد مظلمة هنا أو إلقاء خطبة مَوْشِيَّةٍ هناك .
ولَّى الزمن الذي كان فيه القمع البوليسي وهوى ولي الأمر سياسة تُطبَّق ، عفّى الزمن على عهد كانت فيه الألقاب الطنانة والخطب الرنانة تأخذ بألباب حاشية من المداهنين الخانعين المشتركين في جريمة التغرير بالشعب القاصر . هذا الشعب الأمي الذي طالما خدعه "الإجماع التوافقي" لطبقة من محترفي السياسة ينتظر اليوم أفعالا . هذه الشبيبة العاطلة المعطلة تتعاطى أنواع المخدرات وترتمي بين براثنها هربا من المجتمع الذي يَتَجَهَّمُهَا ، وتفر من ظل مستقبل معتَّم . فهي اليوم تطالب بحقها في الشغل ، وبمكانها في الوجود .
ما الذي على الشاب محمد السادس -الذي يمنحه جيله التأييد بكل سخاء- أن يفعله ؟ ماذا في مقدور فتى الأحلام أن يفعله تلبية لنداء الشعب المستضعف وتحقيقا لآماله ؟ ما الذي عليه أن يفعله ؟ وماذا يستطيع أن يفعل لتدعيم سلطته وتقوية مركزه ؟
لكي يحدث ، بل يبدأ التغيير، الذي تهفو إليه البلاد لا بد أن ينطلق "ملك الفقراء" -ويا لجلالة اللقب !- من القطيعة مع ماض ليس له من الجلالة سوى الاسم والسوط . يحتاج "ملك الفقراء" إلى منجزات رجولية تمكنه من الارتقاء إلى مستوى قائد يليق بالآمال العريضة التي بعثها اعتلاؤه العرش في نفوس الشباب المغربي بشهادة الاستقبالات الهائلة المخصصة له .
هل يمكنه أن يتحرك ليستحق الهالة الخُلُقية ويفرض سلطته الدنيوية ؟
وهل يستطيع التحرك ؟
ما العمل ؟
إما أن يتحفز العاهل ويلم أطراف شجاعته ثم ينقض بالعزم الذي يمتاز به الزعماء ليحطم العوائق ، أو أنه سيقبع في دهاليز القعود والخنوع .
إما أن يتحلى بالحزم والاقتحام ، أو تعود رتابة الجهاز المخزني والميل إلى الحلول السريعة السهلة لتخفض من حرارة العمليات التدشينية . وحينئذ سيجمح المُهر العربي الأصيل ، ويمتنع عن تخطي الحاجز ، ثم يتراجع تدريجيا ، فيفوته الموعد مع التاريخ .

واجب مقدس
أنت يا صديقي القارئ ! أنت يا أخي في العقيدة ! أنتِ يا أختي ! يا من تشاطرونني حسرتي على بلدي الواقف على شفا جرف هار بينما كانت ولا تزال تطفح وجوه بطانة السوء بالبِشر وهي تحرق البخور على نصب الأوثان المقدسة ! أنت أيها الشعب الصادق النـزيه ، أنتم أيها المثقفون الفضلاء الشجعان ، يا من تتناغم كلماتكم مع الخطاب المعسول للمداهنين ! غضوا الطرف عن وعورة أسلوبي وأصيخوا بأسماعكم وعقولكم لكلماتي المكلومة !
لا يمكن أن تعبر الكلمات اللينة عن الذهول الذي يصيب من يتأمل الواقع ، ولا أن يعبر الصمت المطبق عن الإحصائيات الكارثية التي تضع المغرب في مؤخرة الركب . لا تستطيع الكلماتُ اللينة ، ولا الجمل المدجِّنة ، ولا التعابير الباردة والأسلوب الذي يسري فيه مخدر الامتثال أن يعكسوا فداحة الوضعية . قد تكون كلماتي حادة ، عنيفة أحيانا ، مثيرة دون شك في حكم مجمع السادة المفكرين ، لكن القضية النبيلة التي يناضل في سبيلها كل مواطن حر يسكنه هدف سامٍ تتطلب منا جميعا حدا أدنى من الصراحة والنزاهة الفكرية حتى نكشف عن الحقائق المنكَرة ، ونوقظ العقول الغافية .
نعم أم لا ؟ هل نحن مطالبون ، باعتبارنا مواطنين مهتمين بمستقبل بلدنا ، بإدانة الغش والغشاشين ؟ نعم أم لا ؟ هل للملك الشاب الحق في الإصغاء لأصوات غير انتهازية قبل أن يحوله الميل الغريزي لكل أمير يتهالك الكل على إطرائه إلى طاغية غشوم؟
نعم أم لا ؟ هل يكون لهذا المركب التائه ، هذا المغرب الذي أصبح أمة متخلفة ، نصيب من رعايتنا ؟
فلتزحفوا على بطونكم يا أصحاب الهمم الخسيسة ! ولتصفقوا على ألعاب السيرك أيها المتفرجون الفضوليون ! أما نحن رجال العقيدة ونساءها، رجالا صادقين كنا أو فتيانا ، فلنا في الموضوع مقال ، ولنا للتبليغ رسالة . لذا نعلن مقالنا ونصدع برسالتنا ، غير آبهين بالضحالة السياسية التي لا ترى في كل مسلم ملتح أو مسلمة محتجبة إلا أفرادا من شرذمة من الوقحين تصدر كلمة نابية متمردة على المجاملة التوافقية النبيلة .

أسئلة محرجة
مسكين هذا الملك الشاب ! إنه يرث تركة ثقيلة جدا ، وتطرح العديد من الأسئلة بشأنه ، ويشكل منعطفا ينتظر المنتظرون عنده بتلهف . ماذا يريد أن يفعل الملك الشاب الناهض حديثا إلى الحكم ؟
ماذا يمكنه أن يفعل ؟ هل يستسلم لسحر المدائح التي يكيلها له الوصوليون ؟ هل يسلم الزمام لسدنة الحكم ؟ هل ينهزم العقل أمام تقاليد الحكم المطلق الموروث ؟ هل سيظل محفوفا بالمتزلفين ، تتلاعب به أيدي الخونة ؟ هل تستمر هيمنة القوى الزارعة للتنافر والعاملة على تعميق الشقة بين المغاربة وتفريقهم إلى طبقات متدابرة ؟ هل يتحوَّل إلى هذا الوجه الجديد ، الذي يجسد في أعين الشبيبة المتحيرة وعدا بالخلاص ، توجُّسُ الشعب من النخبة السياسية ؟ ما الذي يستطيعه ملك مبتدئ مثقل بالأعباء ، مطالب بالإجابة عن سيل من الأسئلة الملحة ، ينوءُ به وِزر نظام يقوم على فكرة أن الملك قادر على فعل أي شيء ويجب أن يفعل كل شيء ؟
لن يستطيع شيئا إذا استسلم لترانيم سدنة العهد القديم ، وسلم مقاليد حكمه إلى الحسابات التناوبية لتتكفل "بترشيد" سير الأمور .
لكنه سيحقق الكثير إذا تسلح بالجرأة والعزم وأظهر للجميع قولا وفعلا أن الذي يقود القافلة ليس شخصا مائعا ، مدجنا ، تتلاعب به الأيدي الماكرة المتآمرة في دهاليز القصر المظلمة . فلنغض الطرف عن جنون العظمة الحاد الذي أنجبه زواج بئيس بين ديماغوجية عصرية ونخوة علوية ترعاها دار المخزن .
ولنكن صرحاء ! لنـتكلم بلغة الأرقام الواضحة والمعطيات الواقعية المُحَسَّة !
يشتهر المغرب بكونه أسرة واحدة يغدق عليها نِعمَه ملك شع نوره على سائر أرجاء البلد السعيد ، أب عَمَّ حدَبُه كل المغاربة ، عقل تستلهمه الحكماء . فلطالما اجتهدت الآلة الدعائية المخزنية الحاذقة لتعرض في مسرح البهتان الأدلة "الدامغة" والصور "المشرقة " لمغرب "الأمن والرفاهية" ، ولتَكيلَ للجياع من أفراد الأسرة المغربية الوعود والأحلام . أما المشاغبون المعكرون صفو الأمة فهم أعداء الشعب الممقوتون : أهل اليسار البارحة ، وهم اليوم الملتحون والمحجبات من أهل الإسلام .
أي أسرة تلك التي خرجت من رحم حقبة القبضة الأوفقيرية الجهنمية ، ثم بعده ملحمة تزممارت ، والاختفاءات التي يريدون تناسي عهدها ، والمحاكمات الصورية التي تسبقها صياغة مصائر المتهمين ؟
ثم استفحل وضع حقوق الإنسان في مغرب الأب "الرحيم" ، وبلغ حدا لم تعد معه الوضعية الداخلية والضغوط الخارجية تسـمحان بغض الطرف عن الانتهاكات الصارخة لحقوق المعاندين المتصلبين من أبناء وبنات العائلة المغربية الناعمة برعاية أب الأمة .
وفي ظل هذه الأوضاع البوليسية التي انعدمت فيها كل رقابة ، اغتنمت الذئاب المحتمية بصاحب الصولة والصولجان ، فعربدت ورتعت وكدست ... بما أنك خليل صَفِيٌّ للنظام فأنت في مأمن من كل محاسبة ، ولك كل الحقوق ! أما أفراد الأسرة (المحبوبون جدا) ممن لا سند لهم ولا معين ، ففي جعبة الحاوي ما يلهيهم عَمَّا هُم فيه ، إذ كلما طفح الكيل بهم أخرج لهم من كُمِّه أرنبا ، كما يفعل البهلوان ، يستغفلهم ثم ينسل هاربا من مشاكلهم .
أتقنت الآلة فن إنتاج البؤس للجميع والغنى الفاحش لأهل الحظوة ، أتقنت فن الإنعام على المقربين ، وللعصاة المتمردين العصا !

قضايا ملحة
يرث العاهل الشاب -الذي يجب أن لا يستسلم لنشوة الحماس المؤقت- مشهداً تسوده الفوضى العامة ، والبؤس الذي هو نصيب الأغلبية العظمى ، والترف الفاحش لحفنة من المحظوظين ، والرشوة التي أصبحت تقنية للتسيير والحكم ، والتلاعب بالانتخابات الذي أضحى مؤسسة وممارسة ديمقراطيتين .
وفي النهاية ، ألفى النظام نفسه غارقا في إفرازاته ، مضطراً إلى البحث عن مخرج يقيه الكارثة . وهكذا طال التفاوض بشأن "التناوب التوافقي وميثاق الشرف" قبل أن تعقد الصفقة ... بالشروط التي نعرفها جيدا .
لكن الملك الشاب ، رمز الغد الواعد ، ليس مسؤولا عن خطايا الآخرين وجرائمهم ، ففي قلبه يسكن العطف على المحرومين بدليل بساطته واستقباله الحفي للحشود من ذوي الحاجات الذين يصطفون على بابه كل يوم تطلع عليهم فيه شمس الظلم الاجتماعي الملتهبة .
اليوم ، وبعد أن أصبح الأمير الطيب ملكا يُخْطَبُ وُده ويُحسَد على مركزه ، أصبح لزاما عليه أن ينفخ في الآلة روحا جديدة ، وأن يعيد تنظيم العلاقات استعدادا لاِنطلاقة جديدة .
لا بد أن يستفرغ الملك وُسعه ، كامل وسعه ، وإلاّ سيكون من العبث انتظار انبثاق نتائج عميقة من خطوات هامشية وجزئية . لابد من فعل يؤسس ، فعل يمنح الشرعية لتسيير جديد للدولة ، لمنهج جديد في الحكم ، لعدالة أخرى ، لتعليم راشد ، لعدل اجتماعي يلغي الامتيازات ويقارب ويسدد بين جانبي الهوة السحيقة الفاصلة بين الحفاة العراة والسادة الذين يرفلون في النعيم .
لابد من النهوض بالاقتصاد وتشجيع الاستثمار المنتج المُوَفِّر للشغل...
لا بد أن تطبع الأحداث بطابع جديد . ويبدو الأسلوب الجديد للملك الشاب خطوة في هذا السبيل ، لكن الساعد الذي يريد تشغيل المحرك المغربي يحتاج إلى القوة . لابد للعقل الذي يصبو إلى الإتقان من الزاد الروحي ، ولابد للطموح الناشئ من غاية سامية ورافعة روحية . لا مناص من إعادة النظر في النظام بأكمله . لا بد من وضع القطار على سكة جديدة . ولذا لا بد من قاطرة قوية ويد حازمة . لا بد من مراجعة شاملة ، فوراء الواجهة المزينة يوشك البنيان أن يَنْقَضَّ .
وقد أصبحت الضرورة تفرض التدخل العاجل والحاسم قبل أن يتلقى البناء المنخور ضربة قاضية من أحد هذين الاستحقاقين : مسألة الصحراء وانفتاح السوق العالمي بعد عشر سنوات .
فقضية الصحراء ليست سوى إرث مسموم خلفه العهد الغابر ، إرث خلفته سياسة التعاظم الدائسة على كرامة الرعية . إخواننا الصحراويون بين خيارين لا ثالث لهما :
* الخيار الأوّل أن يخضعوا لملك وَطأَ بالقوة أكناف عرشه وألقى إليهم أمره بالركوع له حسب تقاليد البيعة المخزنية المقيتة . طقوس بهلوانية لا تمت بأية صلة إلى الميثاق الإسلامي الجليل الذي يلزم الشعب الحر بطاعة الحاكم ويلزم الحاكم المنتخب بالعدل نحو الرعية . إن الحكم العاض الذي يلقي للمسلمين الأمر بالركوع لغير الله وصمة عار على جبين التاريخ الإسلامي الذي يطبعه الاضطراب . وهكذا ، تم إخضاع الصحراويين -ذوي الأنفة والإباء- للمراسيم المخزنية ، ورأينا على الشاشات هامات شيوخ القبائل تنحني أمام الجلالة المتصلبة المستعلية . يا للإذلال ! أي جرح غائر أصاب عزة قوم ما برحوا متمسكين بالإسلام !
* الخيار الثاني أن يصغوا إلى نداء العصابات المسلحة التي تخاطبهم بلغة العزة . فهل يا ترى سيصوتون في الغد القريب لمغرب موحد مسلم حقا ؟ مغرب تعاد صياغته وبناؤه ، أم أنهم سيعتبرون من الإهانة التي لحقت بهم سالفا ومن القمع الوحشي الذي مورس عليهم مؤخرا فيختاروا الكرامة والحرية وينضووا تحت اللواء الآخر ؟
* امتصت رمال الصحراء ملايير الدولارات التي أنفقت في تشييد مدن حديثة جديدة ، وازداد فقر المغرب ، وتضاعفت ديونه . لم تفلح سياسة الفخفخة المستكبرة إلاّ في تعميق الهوة بين عضوين من جسد واحد ، من شعب واحد .
لا بد إذن أن نراجع انتماءنا الإسلامي الذي نصدح به نهارا ولا نخجل من طعنه ليلا .
أما نحن ، فقد ظل موقفنا من القضية واضحا ، لا التواء فيه ولا لبس ، وهو التشبث بوحدة الشعوب المسلمة عَبْرَ الحدود الغاشمة الموروثة من تاريخنا الاستعماري ، قديمه وحديثه .
أما القضية الكبرى الثانية فهي ما يُخشى علينا أن تُهْوي فيه السوق المفتوحة بسيوفها و نحن عُزْلٌ لم نتهيَّأ للنـزال . وسيتبدَّى لنا ضَعفنا أمام الحرب الاقتصاديّة الوشيكة من خلال الإحصائيات المبينة لموقع المغرب في الخارطة العالمية .
إن الحديث عن المبادئ يظل فضفاضا ما لم تعضده المعطيات الواقعية ، وإن المبادئ سرعان ما تنفلت إذا لم تقيد بمهمة محددة ينهض بها ضمير حي . لذا نسرد بعض الأرقام ، علَّنا ندرك مدى خطورة الوضع ، وضخامة الجهد ، وعلو الهمة التي ينبغي أن يتحلى بها من يحاول التغيير حتى يتمكن من الصمود للضربات العنيفة التي سيتلقاها أثناء الطريق .
لست هنا نذير شؤم تُذْعِرُه المخاطر الواقعة والمحتملة ، بل يدفعني إلى ما أقول واجبي بوصفي مسلما أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر .
فمنذ فترة ليست بالقصيرة ونحن ندين الأساليب الجبرية التي تُنَصِّب على قمة الهرم السلطوي رجلا يحتكر الحق في تسيير شؤون البلاد والعباد حسب هواه ، فلا أمر إلاّ أمره ، ولا علم إلاّ علمه ، ولا مال إلاّ ماله .
أما الدستور الممنوح والمرمم بين الفينة والأخرى حسب ما استجد من ذوق أو هوى ، فليس سوى صيغة حديثة للفرمان الإمبراطوري التقليدي . وهكذا ، بحكم الدم الذي يجري في عروقي والإنجاز العظيم الذي حققته حين تفضلت على الناس ببروزي للوجود مولوداً مقدساً ، لي الحق في أن أتحكم في مصائر العباد وأن لا يكون خلاصهم إلاّ على يدي !!!

إحصائيات تنذر بالإفلاس
هاكم ثمرات هذا المنهج البديع ، منهج التحكم الاستبدادي :
تصنف إحصائيات الأمم المتحدة الدول حسب مؤشر نموها البشري ، ويقبع المغرب في المرتبة 125 متخلفا عن جيرانه -خاصة تونس والجزائر- الذين يسبقونه بعدة مراحل . إنجاز رائع ونتائج باهرة !
10 ملايين مغربي يعيشون فقرا مدقعا بأقل من عشرة دراهم يوميا .
ثلاثة أرباع المغاربة العاملين لا يحصلون على الحد الأدنى من الأجور بالمغرب أي 1660 درهم في الشهر .
أصبحت أحياء الصفيح مسكنا طبيعيا لعدد كبير من المغاربة يتضاعف بسرعة .
في المغرب تتفاوت الأجور ما بين 1 و 1000 (بثلاثة أصفار) بينما لا يبلغ بل يقل أحيانا هذا التفاوت عن نسبة 1 إلى 10 في أوربا .
23 % من الشبان المغاربة غارقون في مستنقع البطالة . شبيبة تتخدر لتنسى أو "تَحْرِكُ" هربا من البؤس الجاثم . لمن لا يعرف العامية المغربية ، "تَحْرِكُ" أي تفر من البلد مُبْحرة نحو لهيب الألم أو قَرِّ الموت .
أكثر من 100.000 متخرج من التعليم العالي (أطباء ، مهندسون ، أساتذة ، تقنيون متخصصون) يجترون يأسهم في مقاهي أحيائهم أو يتظاهرون في شوارع العاصمة .
53 % من المغاربة (وهو الرقم المعترف به رسميا) أميون تسوقهم الدعاية الرسمية أو المزايدة الحزبية بكل سهولة : ففي بلادنا يتواطأ بؤس الناخبين وخبث المنتخبين يمالئهما فساد الإدارة البوليسية على تحويل انتخاباتنا إلى مسخرة مأساوية .

بين سندان الرشوة ومطرقة العولمة
أزكمت رائحة الفساد كل الأنوف الحية بعد أن أصبحت الرشوة منهج حياة . فالكل يمد يده ، ابتداء من العون الواقف عند أسفل درجة في السلم الإداري ، وانتهاء بالسادة المتربعين على قمة الهرم ، كل حسب تعريفته ، بدءا من الورقة الحمراء إلى الظرف المكتنز . أما الشيك المحول إلى رصيد في البنك السويسري ، فهو وسيلة الأداء النظيفة لمن علا في سلم السلطة .
لا عجب إذن أن يتوجس المستثمرون الأجانب إذا ما خاطروا بأموالهم في بلادنا ، خاصة بعد أن صارت بذكر جهازنا القضائي الركبان : فعلى أبواب المحاكم ، يَعقد وسطاء السوء صفقات بيع الذمم ، ويتفاوضون بالنيابة حول الحكم الذي يرضي الزبون ... كأنهم يبيعون ماشية في السوق .
فإذا ما أضفنا إلى كل العلل التي تنخر كيان إدارتنا البطءَ المكتبي ، ومماطلة المسؤول الذي لا يمكن أن يتحرك إلا بعد أن "تدهن" يده "دهناً" معتبراً ، فإننا ندرك سبب إعراض المستثمر -الضروري لاقتصادنا- عن بلدنا .
إنها مسالة حياة أو موت . فالأمر يتعلق بتشجيع إقلاع اقتصادي يضمن لنا حضورا تنافسيا في السوق العالمية . فكيف إذا يمكننا تحقيق ذلك ومؤسساتنا وجهازنا القضائي وإدارتنا في أوضاع مخزية ؟ كيف نقنع الأجانب بالاستثمار في بلدنا والإجراء الإداري البسيط يقتضي شهورا أو سنوات ؟ فإذا كانت عملية التوقيع على ملفك لا تستغرق سوى ثلاث أو أربع ساعات في أوربا الغربية ، ففي بلدنا عليك أن توطن نفسك على الصبر والانتظار بحكمة إلى أن يرضى الوسيط المقرب من الدوائر العليا عن حصته من أسهم شركتك ، أو تصحو من غفلتك و تفيق من مثاليتك . لكي تستثمر في المغرب ، عليك أن تحترم "قانون القهيوة" من أَسفل السلم الإداري إلى أعلاه ، عليك أن تحدد اختيارك الإداري من الأول : "القهيوة" أو القيام برحلات ماراطونية بين هذا المكتب وذاك ، بين هذه المصلحة وتلك دون أن تكون متأكدا من النتيجة !

...والمخدرات
كيف نجابه عولمة تدق على الأبواب -إن لم تكن قد جاوزت العتبة- بشباب تعبث به المخدرات ؟ هذا ملف ساخن ينبغي أن لا نتجاهله .
إن الحديث عن المخدرات في المغرب شائك : إنها سرطان متجذر لا أمل في استئصاله مادام النظام فاسدا ، ومادام جشع أباطرة المخدرات مستفحلا ، ومادام فلاح الأقاليم الشمالية معتمدا على زراعة القنب الهندي . هذه العوامل تكرس إنتاج هذه البضاعة وتسويقها ، فتتسع دائرة المقبلين عليها في بلدنا . لطالما أدانت وسائل الإعلام الأوربية المشاركة المخزنية لشخصيات مقربة جدا من النظام في تجارة المخدرات ، ولا عجب !
هنا أنقل معطيات وإحصاءات استقيتها من الإعلام الغربي مضطرا . فما دامت "الشفافية" قد جفَت ديارنا ، فلا محيص لنا من الإصغاء إلى ما يقوله عنا الآخرون ، لا مناص لنا من طلب الخبر من الأمم الحُرَّة المدركة لخبايا الأمور . إذ كيف السبيل إلى التحقق من الخبر والأفواه مكممة والآلة الدعائية الرسمية تروج الأكاذيب ليل نهار ؟
لكن لِمَ الاستشهاد بالصحف والإصدارات الأجنبية التي لم تكن أبدا لطيفة مع الملك الراحل ؟ إن الأحداث التي تنقلها هيئات جادة تبتعد عن الارتزاق و الذيلية في هذا الصدد تثير الاشمئزاز . غير أني بنقلي هذه المعطيات والإحصاءات لا أريد أن ألقي بالأرقام المخزية فريسة تنهشها الألسنة الفارغة . فقد أفضى الأموات إلى من سيحاسبهم ، وبقي الأحياء يتجرعون جيلا بعد جيل مرارة الكأس التي سقاهم إياها أسلافهم .
يجب أن يعرف الشعبُ المضروبة عليه أسوار التعتيم والتجهيل حقيقة ما يجري . يجب أن يعرف حتى ينحسم كل حبل يعلق قلبَه بحكم الجبر. يجب أن يعلم الشعب ويدرك مدى فظاعة جرائم الحكم المتسلط ليلفظ الطواغيت ويتسلح بتعاليم الإسلام المقدسة ليتحرر من نيرهم .
حذرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم من حكام العض ، ولفظ "العاض" يعبر جيدا عن منهج الجبر في الحكم .
ونحن حين ننقل "المنجزات" المخزية لحكامنا ونصوغها بالتعابير الحادة والألوان القاتمة لا نثأر لمظلمة أصابتنا منهم . القلوب المرتعدة والهمم الخسيسة هي التي تتكالب على الأجساد الباردة . نحن نعتبر بما صار إليه الأموات ، ونستنكف أن ننهش لحومهم ، لكن لابد أن ننقب عن الحقيقة ونصدع بها . فلا نامت أعين الجبناء !

حقائق مرة
علينا أن نعرض الحقيقة على النفوس الأصيلة ، الحقيقة الصريحة العارية بدل أن نقدم إليهم الأطباق المتَبَّلة بالبهتان . أما المنافقون الكَذَبة الذين لا يخشون الله ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر فليسوا سوى عناكب بشرية غارقة في وحل الهموم الدنيئة ، تتلاعب بها دوامة حياة عدمية لا معنى لها ولا قيمة . أرجو أن يكون محمد السادس من ذوي النفوس الأصيلة . أما هؤلاء المحبوسون بين جدران حياتهم اليومية المتضايقة ، فلا يستحقون إلاّ أن يكونوا حصبا لجهنم ما لم يتوبوا إلى الله .
سيقف الحسن الثاني ، ومحمد السادس أيضا ، أمام الملك الديان الذي سيسألهما عن السور المضروب بين شعب مستضعف وحفنة من الانتهازيين المتملقين : من الذي بناه ؟ ومن الذي رعاه ؟
الكل يعلم ... باستثناء الشعب الأمي الذي أذهلته لقمة العيش عما يدور في بلده . ما فتئت الصحف والمنشورات الأجنبية تعرض عمليات النهب الممنهج التي تقوم بها السلطات المغربية للثروات المغربية . من يجهل من المثقفين المطالعين للصحافة الأجنبية أن الأونا (
O.N.A.) -هذا الأخطبوط الممتدة أذرعه الذي كان الملك الراحل (المفتقر إلى رحمة ربه أكثر من أي وقت مضى) يمسك بخطامه- تمثل قسطا هاما من الثروة الحسنية . استندت هذه المؤسسة على الامتيازات التي منحها لها الملك السابق لتحتكر الأسواق وتستحوذ عليها . و بِذا أصبحت هذه الإمبْراطورية الاستعمارية تنينا برؤوس متعددة تضخ -ولا تزال- أرباحا خيالية في الأرصدة القارونية للجلالة الراقدة اليوم تحت التراب .
كان المغرب بأكمله مِلكا للوحش المقدس "أونا" ، أي للملك . واليوم تنتقل هذه الثروات المكدسة طيلة أربعة عقود إلى الورثة الذين سيضيق عليهم الخناق يوم أن يسأم الشعب المستنزف من الهمس ويحطم جدار الصمت مطالبا الأحياء بحسابات الأموات . ويومها سيكون محمد السادس على رأس المطلوبين طبعا .
كانت أونا ولاتزال تهيمن على اقتصاد البلاد باعتبارها رأس حربة الممتلكات الحسنية المقدرة بملايير الدولارات . وكان الملك الراحل -غفر الله له- يفتخر بأنه فلاح ينتمي لأسرة الفلاحين . استهزاءٌ بالألقاب أم تهكم صريح ؟!
لم يفلت أي قطاع من قبضة الجشع الملكي زراعةً كان أو صناعة غذائية أو سياحة (كانت الفنادق الفخمة جدا التي تستقبل ضيوف "صديقنا الملك" ضمن الحصيلة "الهزيلة" لممتلكات فلاحنا المسكين) أو أبناكا أو تأمينا أو مصانع سكر أو نفطا أو هندسة مالية أو مقاولات عمومية أو شركات منجمية أو صيدا بحريا أو صناعة كيماوية أو طباعة أو نقلا أو نسيجا ... والقائمة تستعصي على الحصر . لقد أصبحت "أونا" مُجَمَّعا ماليا يستفيد من امتيازات هائلة .
كانت الأرباح الخيالية (المحلية طبعا لأن الجزء الأهم من المداخيل والأموال الملكية اتخذت الغرب لها مستقرا ومستودعا) التي يحصل عليها الملك تجتهد في الاستتار عن أعين الأهالي الفضولية . وحين استبد جنون العظمة بالفلاح المسكين فتاق إلى بناء واحد من أضخم وأفخم المساجد في العالم ، سلط زبانيته على الفلاحين الفقراء الحقيقيين يسلبونهم دراهمهم المعدودة . وهكذا تشتغل الآلة المخزنية الغاشمة العتيقة في وضح النهار ، بينما يذر النظام "العصري" الرماد على العيون حين لا يفتأ يتحدث عن الديمقراطية والدستور ...

الحدائق الشيطانية
كان للملك الراحل رحمه الله حسب تعبيره "حديقته السرية" التي كان له الحق وحده في زراعتها . كانت له مقابر خاصة يدفن فيها "النباتات الفاسدة" من رعيته . كانت له مستودعات للموت يدفن فيها حيا كل من نجا من محاولات الاغتيال أو أفلت من أحكام الإعدام .
حدائق الموت المخزية كانت تستتر خلف الابتسامة اللطيفة المعروضة على الجمهور . وتمتد لائحة المنجزات اللصيقة بكل ذي طبع شحيح : فالحسابات الملكية في الأبناك الأجنبية مفتوحة بأرقام سرية أو أسماء مستعارة . والاستثمارات الأجنبية بالخارج لا حصر لها ، بحيث لا يقدر صاحبها نفسه على التحكم فيها ، بل إنه لا يدري كم عدد المقاولات والقصور والأسهم -سواء كانت في الزراعة أو البورصة أو العقار- التي يملكها . هل ما نقوله اتهامات افترائية مغرضة من صحافة أجنبية أو أنه عين الحقيقة التي يجري التكتم عليها ؟
يذهل العقل أمام هذه الأرقام المكدسة ، لكن إذا عرف السبب بطل العجب . ففي سنة 1994 نشر المرصد الجغرافي للمخدرات تقريرا سريا اتهم فيه بصفة مباشرة بعض المقربين -بل الخلصاء- من الملك الراحل ، وأشار إلى أنه أول راع لهذه التجارة ومستفيد منها .
كيف نعلم ؟ كيف نتحقق ؟ لِمَ الحديث عن هذه الأمور الآن ؟
لا يزال ستار التعتيم مسدلا على القضايا المشبوهة في هذا البلد الذي يُغَلِّق منافذه ، ولا يفتأ يحتج على نشر بضع نتف من الحقيقة في الخارج ، مؤكدا أن الديموقراطية الحسنية هي المثال الذي يجب أن يُحتذى . ظلت اليد الحديدية تخنق أنفاس البلد إلى أن اضطر الذين استماتوا في إنكار وجود "تزممارت" إلى الاعتراف بالواقع بعد أن توالت شهادات نزلائه السابقين على بشاعة الأسرار المدفونة في "الحديقة السرية للملك" .
يقف الماضي حائلا بين المزاعم والوقائع ، بين الكذب والحقيقة ، مثلما يحول الماضي الاجتماعي بين المغرب الفقير والنخبة الفاحشة الثراء التي أغدق عليها الملك الراحل رحمه الله الامتيازات هو وبطانته الفاسدة المفسدة .
يقف الاقتصاد المنكوب شاهدا ، وتقف القصور الملكية التي أجلى عنها الملك الشاب بكل شجاعة قطيعا من الخدم كانوا دائما على أهبة الاستعداد لاستقبال الملك الراحل ، متوجسين خيفة دائما من أن يطردهم سيد بطاش بالمستضعفين ، كريم مضياف مع زواره المتألقين .
عزيزي القارئ ، أخي وأختي ! يا من تقرؤون كلماتي ! لا تحسبوا أن حدة ألفاظي وشدة خطابي نابعتان من مرارة طالما كتمتها في العهد الغابر ، بل هي الحسرة على الإسلام المكلوم والحق المهضوم وبلدي المخدوع ترفع من حدة قلمي !
يشهد الله جل جلاله أنني لست حاقدا على الراحل ، بل إنني أتمنى له الخلاص الأبدي في الدار الآخرة . لكن للأحياء الذين طال امتهانهم وخداعهم وكبت أنفاسهم الحقُّ في كشف الغطاء عن الغموض الذي يكتنف البلاد حتى لا يَنزلق القطار ، ولكي تكون عبرة الماضي منارا يقود سيرنا نحو المستقبل .
فلنخاطب ولي العهد -الذي أصبح فجأة ملكا بعد رحيل أبيه العبد المذنب- خطاب الحكمة والعبرة ، لنحدثْه عن الأمس والغد ، عن الخلود بعد الموت ، لننظر هل له من الهمة ما يؤهله لأن يكون بانيا لعهد جديد . أم أنه مجرد ابن لأبيه ؟ ظِلٌّ عابر للتاريخ ؟ شخصية انتقالية ؟

"جنازة رجل" !
كان يحلو للحسن الثاني رحمه الله أن يحدث بعض زواره عن أول درسٍ تلقنه مباشرة بعد وفاة والده محمد الخامس رحمه الله . فخلال جنازة محمد الخامس ، وضع نعشه أمام الحاضرين ونادى المنادي : "الصلاة على الجنازة ، جنازة رجل" ! "رجل" ، رجل مجرد من كل تنويه ، أو تشريف ، أي أن رفات ملك ليس في نهاية المطاف بالنسبة للأحياء المبهوتين أمام هذا "الرجل" سوى منبه لهم عما ينتظرهم : الموت والرحيل من دار الدنيا لدار الأخرى .
فهل توقف الحسن الثاني -الذي أذهله المشهد الرهيب لرجل بطل تربع على قلوب المغاربة حيا- عن الاعتبار بعد أن وارى جثمان أبيه التراب ؟ هل نسي الدرس والإنذار ؟ لم الإعراض عما هو آت لا محالة ، والتسلي عن النهاية الحتمية التي تنتظرنا ؟ سوف نعبر السبيل بسرعة ، ليكون الكفن والدفن بعد ذلك .
وجد الكفار حلا للذعر الذي ينتابهم حين يفكرون في الموت ، فقبلوا أن يكونوا في نظر أنفسهم مجرد حيوانات لا معنى لها آيلة إلى عدم بعد وجود . الموت عند هؤلاء و عند من ينظر بمرآتهم هي المأساة العظمى التي يجب نسيانها حتى يتمكنوا من الاستمرار في الحياة ، من التمتع بالملذات التي تهديها لهم الحياة ، من الانهماك في التهام "الأغذية الأرضية" للحياة ، من الانغماس في ملاهي الحياة ، من التعاطي للمخدرات المادية والمعنوية لنسيان عبثية الحياة ، من البقاء أحياء في ذاكرة الناس عبر إنجاز فني أو مشاريع ضخمة ، من ترك إرث ضخم للأبناء ، أو اكتشاف علمي للبشرية ، أو عمران أو مؤسسة خيرية للمدينة .
أو أنهم يطردون بكل بساطة فكرة الموت والصور الفظيعة للجثث المتعفنة بعد الموت .
أما المسلمون المؤمنون بالله عز وجل وبرسالة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فيعتبرون ذكر الموت فكرة تسكن دقائق عمرهم ، إذ لا بد أن تصاحبنا صورة "الرجل" الذي سنكونه اليوم أو غدا . يذكر المؤمنون الموت عند الاستيقاظ و عند النوم ، وخاصة في صلواتنا ومواعظنا . وذلك حتى تظل حقائق ما بعد الموت حاضرة في أذهاننا ، حقائق البعث والحساب عما اقترفته أيدينا ، والحكم الذي سيصدره الحَكَم العدل سبحانه ، ثم الجنة التي سيخلد فيها السعداء والهاوية التي سيلقى فيها الأشقياء .
ياحسرةً على الإنسان الحديث ، المثقف أو المتثاقف ! لايرى فيمن يحدثه عن الموت سوى مخرف مختل أو عُصابي أو مجنون مآله مستشفى الأمراض العقلية .
يا للحسن الثاني المسكين ! كان يحلو له أن يحدث بعض ضيفه عن الدرس الكبير الذي تلقاه أمام جثمان أبيه رحمه الله . ثم يجتهد بعد ذلك في نسيانه .
مساكين نحن الذين نزعم في المحافل و على صفحات الجرائد أننا "جميعا مسلمون" ! متنكبون عن الإيمان نحن ، لاهون عن الإيمان ، جاحدون به ، خائنون له ، أعداء لأِنفسنا ، كأننا خالدون في هذه الدنيا !
مسكين يا حسن ! تأثرت بمشهد أبيك -عفا الله عنكما- الذي أصبح مجرد "رجل" تصلى عليه صلاة الجنازة ، ثم سرعان ما نسيت ، بدل أن تتصرف كرجل يهتم بمصيره بعد الموت . عَبَبْتَ من الكأس الذي تقدمه الحياة الخداعة لأمثالك : شباب وغنى ، صحة وشهرة ... استسلم الحسن رحمه الله وعفا عنه لكل المغْريات ، متفننا في مراودتها . كانت "حرفته الملكية" -كما كان يحلو له أن يصف وضعه- تضع رهن إشارته كل الوسائل ، وتمكنه من انتهاز كل الفرص للظهور بمظهر الملك العظيم ، والتلذذ بأصناف الملهيات المسكرات التي تهديها له الحياة .

موعظة وعبرة
يا أيتها النفس البريئة ! ويا أيها الملك الوارث للملك ! يا أيها الرجل الذي ستصلى عليه صلاة الجنازة طال العمر أم قصر !
لو كان الحسن الثاني مجرد فرد من الأفراد ، مجرد واحد من أبناء الشعب لَعَطفنا عليه -نحن المذنبين المقصرين الواقفين على باب الله- ولضربنا عنه صفحا ، لكنه كان ملكا . كان !!! وتلك هي العبرة التي على ابنه محمد السادس أن يستخلصها من مشهد "الرجل حسن" الذي حمل نعشه هو شخصيا إلى مثواه الأخير ، عليه أن لا يدع هذه العظة تخبو في ذاكرته . فهو اليوم ملكٌ ، وهو غدا "الرجل" المسجى لا محالة .
إن الحسن الثاني نفسه ، هذا الذي رفع الشعار الثالوثي : الله ، الوطن ، الملك ، قد أصبح من بعد شيئا لا حول له و لا قوة ، مكفنا داخل تابوت مذهب ... وما قيمة التابوت المذهب أمام حقيقة الموت !
ومشى العاهل الشاب في موكب المتأله "المعصوم" ، وشهد الحفل الوثني المنظم كل سنة ، والذي تقام فيه شعيرة البيعة المخزنية التي تلزم كبار الشخصيات في البلد بالركوع خمس مرات أمام الصنم البشري قبل أن يدفعهم الخدم المُطَرْبَشون ، ويسارعوا إلى رص صفوف باقي العباد الخاشعين .
كيف نريد بعد هذا من هؤلاء الوجهاء المروَّضين كل سنة على الركوع للوثن ، المبتهج بأن أصبح مركزا للكون ، أن تبقى لهم ذرة من كرامة ؟ لاشك أن هذه الكراكيز المجلببة المعممة تحس بحقارتها حين تتقمص جلد الخادم الجاثم عند قدمي سيده .
لطالما شهد الملك الشاب الدروس الرمضانية والحفلات المقامة في ضريح جده . تجمعات ضخمة ترصد لها ميزانيات خيالية مما تدره الأوقاف . ويا للأوقاف ! خلَّف الأجداد للأحفاد ما به ينفقون على شعائر المسلمين ويسدون حاجة المحتاجين منهم . أي خيانة هذه لمخزن لم يكتف بتحويل تركة الموتى إلى جيوبه بل أنفقها على حفلاته الوثنية !
لابد أن يختار الملك الشاب بين طريقين : إما أن يُخلص لعرف عفّى عليه الزمن فيتبع خطوات أسلافه حذوك القذة بالقذة وبئست السبيل هي ! وإما أن يعقد العزم على اقتحام العقبة والتكفير عن الجرائم التي كان أحد شهودها .
إذا اختار الملك الشاب أن يبقى التقليد الموروث وصيا عليه متوجسا من خرق "ما جرت به العادة" وتجاوز "القاعدة" ، فسنعلم أن لا أمل للبلاد في الخروج من مأزقها ، وأن الدعوة إلى احترام التعاليم الإسلامية ، التي كان يعلنها الحسن الثاني رحمهُ الله وعفا عنه والتي سيعلنها سلفه السالك سبيله ، ليست سوى تمويه مفضوح .
أما إذا صحا قلب محمد الآئب إلى الله ، الموقن بما ينتظره ، المستعد للقاء ربه ، فلا بد أن يجتهد في تفكيك "إمبراطورية الشر" . لقد كسب الملك الشاب في بداية هذا الشهر -نونبر 1999- الجولة الأولى في معركته مع هذه الأمبراطورية حين طرد الوزير المنفذ لكل جرائم الحسن ، وكيله في عملياته الخسيسة .

تفاؤل كبير و تحديات أكبر
إنها ، لعمري ، ضربة هدت البناء المخزني الهاري ، ضربة تبعث على التفاؤل ، والملك مدعو ليكمل عملية التطهير ويَكْنِسَ الساحة من الأنقاض حتى يتسنى له إقامة بنيان جديد بدل ذلك الذي نخره السوس . فانتهاك الحرمات والدوس على الكرامات لا يمكن أن يُمْحيَا من ذاكرة المغاربة إذا لم تستأصل شأفة الشجرة الملعونة .
جُرِّدت الدعامة الأساسية للمخزن من وظائفها ، اليد اليمنى للحسن الثاني ، أمين سره ومستودع ثقته . لعلها كانت خطوة مقتحمة خاطفة ، ومنعطفا حاسما !
منعطف نحو ماذا ؟
لم يكن الوزير الذي كان يسخره الحسن الثاني سوى شخص مسكين ، منفذ ، كبش فداء تُصَوّبُ إليه السهام بدل تصويبها للملك . فماذا عَسَى يحدث تغيير أداة إذا كان يراد للجهاز المعتل أن يستمر ؟ هل يمكن لمن باعوا أنفسهم للشيطان أن يرعووا عن غيهم لمجرد التضحية بواحد منهم ؟
يتحدث الملك الشاب في خطاباته عن "مفهوم جديد للسلطة" ، ويقدم الدليل على استعداده لتطبيق هذا المفهوم . فبعد الإشارات المتتالية ، كانت الضربة الكبرى التي أهلته لاجتياز اختبار الصدقية بنجاحٍ .
فهل ينوي حقا القطيعة مع الماضي ؟ وهل يستطيع ؟ إنها من دون شك ثورة صغرى ، فمتى موعد الكبرى ؟
أي مستقبل لمحمد السادس ، وأي مستقبل للمغرب ؟
لا مستقبل لهما إذا لم يقيما الأساس على أرض الإيمان التي لا تتزعزع . فلقد كان الإبعاد المهين للشخص الممقوت في أعين الشعب خطوة سياسية كبيرة ، لكن من يسد ثغرات تناوب هش ، ومن يملأ فراغ المشهد السياسي الناتج عن إزاحة آجرة من البناء المخزني ؟
يمكنكم أن "تسايسوا" وتعثروا على وجوه ذات أقنعة إنسانية ، لكن كيف السبيل إلى مَلْءِ الفراغ الخلقي الذي لم يكن الوزير الكريه سوى مظهر له ؟ من للخواء الروحي المتجسد في الحفلات التي كان الحسن الخطاء يقيمها ؟ من للاقتصاد ولمال الأموات والأحياء الذي كان الوزير المنبوذ يشارك بنشاط في انتهابه ؟
لا أمل لمحمد بن الحسن ولا لمغرب محمد مادام الإثنان يخبطان في ليل الارتجال ، ولا مخرج للجهاز المخزني من المتاهة التي يدور فيها مهما بلغت جرأة الملك الشاب ، ومهما تعددت إنجازاته المقتحِمة ، ومهما عظمت الآمال التي يجسدها في أعين الشعب المعبر عن ارتياحه . فمادام مشروع المجتمع المحدَّد بوضوح ، المعَبِّئِ للشعب ، كلِّ الشعب ، غائبا فلا أمل في الإفلات من طوفان يوشك أن يحل !

القطيعة المرجوة
حقا ستتوارى ظلال مراكز القوة -من أمثال أوفقير والدليمي- من الساحة ليحل محلها جلاوزة يخدمون العرش كما خدمه الوزير الطريد ، سيظل السوس ينخر في جسم النظام ، وبعد الضربة المفاجئة ، ستتوالى الانتكاسات وخيبات الأمل .
لا مخرج ما بقي ذوو النزعات الخسيسة لا يستمعون لصوت آخر غير صوت أنانيتهم الضحلة و"عبقرياتهم" المهووسة ، ولا يتعالَون عن البلادة البشرية ، والظلم البشري ، والفسق البشري ، والوحشية البشرية التي يتفنن في تجسيدها الجلادون .
لا أمل لملوك الحكم المطلق في الانعتاق من قبضة الشيطان ، وللشعوب المسخَّرة لها الغارقة في مستنقعات البؤس المادي والثقافي والسياسي والخلقي إلا بالتمسك بالحبل الممدود من السماء ، حبل الله الذي له ما في السماوات و ما في الأرض .
مستنقعنا المغربي أسِنَ ماؤه وفاحت رائحة عطنه ، فلا نطمع في أن تنجح "إشارات" صغيرة هنا وهناك في تجفيف مائه الراكد وتفريغ وحله العفن .
يالها من مهمة تلك التي تقتضي التشمير لتنحية القاذورات ! ما أنبل أن ينذر المرء حياته لتطهير البيئة من النفايات وتهييء الأرضية للبناء ! سيدعم الشعب عملية التطهير وإعادة البناء إذا ما دُعِيَ إلى ذلك بعْد أن يثق بالداعي . فالطاقات متوفرة ، والكفاءات مستعدة ، لكن تعبئتها واستثمارها يتطلب الاعتراف بالقُصور والاعتذار عن تاريخ المقصرين حتى يتحفز الجيل النظيف ويفتح عينيه على ما حدث وما يحدث . لابد أن تنسحب مع عملاء الظلام سنَّة التعتيم والتضليل السيئة .
كان العهد الزاهر "للحسن الباني" عبارة عن سلسلة من التنازلات السياسية والثقافية للأجنبي المتواطئ مع حكم مطلق ينيخ بكلكله على صدر الشعب .
يعلم محمد السادس قبل أي شخص آخر -وهو الذي طالما قاسى من والده الأمرين- كيف كان الملك الراحل يعامل المغاربة -المقربين منهم والمسخَّرين- وكيف كان يخاطبهم "بلطف ولباقة" عز لهما النظير . أما الأجانب فكانت لهم عنده الحظوة التامة .
كانت مصادقته بل تواطؤه مع مسانديه من الأجانب سرا شائعا يعرفه الخاص والعام . من الذي لم يسمع بتَوادِّه مع الصهيونية العالمية واهتمامه الكبير بها ؟ ألم يشهد الشعب المغربي ، مبهوتا ، حفل استقباله للحاخامات الداعين "لأمير المؤمنين" بطول العمر المبتهلين إلى "يهوه" أن يحفظ عرشه ؟
لقد كشفت الصحافة الأمريكية كيف كانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تسهر -بتعاون مع الموساد الصهيوني- على سلامة الملك الراحل ، وكيف كان أصدقاؤه اليهود عقيدة ، الصهاينة إيديولوجية ، يحظون بحدبه وحفاوته . لمْ تسْلُ الدولة الصهيونية أحدَ أهمِّ أولياء نعمتها ، فسمت بعد رحيله 70 شارعا وممرا في إسرائيل باسم الحسن ، كما شاركت الحكومة الصهيونية والمنظمات الصهيونية التي يتزعمها يهود ذوو أصل مغربي في الاحتفالات الإسرائيلية المخلدة لذكرى "الصديق المخلص" . تفانى الصديق البارز لليهود الصهاينة في إرضائهم ، وبذل كل الجهود لخدمتهم ، فانطلقت ألسنة السوء تصف النظام الحسني بأنه حكم يهودي . فهل هي مجرد مبالغة ؟
من هذه الغَيابات المظلمة ، من هذا التيه ، يجب أن ينعتق محمد السادس بتبرئه الصادق الواضح من حماقات والده المهينة للدين والخلق ، ومن أخطاء شبابه هو ، ومن الخطايا القاتلة التي لن يمحوها إلا توبة صادقة إلى الله .
وإن مجافاة هذه السياسة الممقوتة التي تقوم على خيانة الشعب الفلسطيني الذي تجمعنا به الأخوة الإسلامية لن تكون مهمة سهلة . ما زال "معارف" الأب الراحل يصدون عن ذكراه كل هجمة ويحمونه من كل انتقاد . فحين أعلن مثلا المرصد الدولي للثروات الدولية أن الحسن كان من أغنى الرجال في العالم ، سارعت الأيادي الخفية إلى طمس النبإ وحذفه من عناوين الأخبار . ولا عجب ، فنحن نعلم من يمسك بأعنة الآلة الإعلامية في أمريكا ، بل في العالم أجمع .

تغيير عميق
خلف الملك الراحل ، عفا الله عنه ، ثروة خيالية ، تركة مسمومة لمحمد السادس وإخوته . فهل يستجيب الورثة المسلمون ، حفدة النبي صلى الله عليه وسلم لداعي الحرص فيتمسك كل واحد منهم بحصته من الغنيمة التي نعرف كيف تم تجميعها ؟
هل سيسائل الملك الشاب والأمراء والأميرات ، هل يستطيعون مساءلة ضميرهم عن الهوة الهائلة القائمة بين شعب غارق في أوحال البؤس الأسود وبين ورثةٍ تهاطلت عليهم فجأة سيول من ذهب وفضة .
هل يمكن للخاطرة البريئة ، خاطرة مقارنة وضعهم بوضع غيرهم ، أن تتسلل إلى دهاليز النفسية المتمرغة في الديباج المترعرعة بين أسوار القفص الذهبي ؟
هل يتواضع ضمير الأمراء المصنوعين على عين التربية الغربية فيلقي يوما ما نظرة على وضع الأغلبية الضاربة جذورها في تربة الحرمان والأمية واليأس ؟
يبدو أن العاهل الشاب ينتمي إلى هذه الطينة التي يأرق جفنها لتعاسة الفقراء ، بدليل انحنائه المؤثر المتأثر على الصغير المعاق ليقبله ، وعطفه على المحرومين المصطفين أمام بيته المغمورين بعطائه ورعايته ...
أمارات تحفز الأمل في قلوبنا ! هل يستطيع الملك الشاب ، الملك الطيب الجواد ، أن يتوغل في هذا الطريق المضيء ؟ هل هومقتنع به ؟ هل يقدر على إقناع نفسه بأن الوضع خطير ، وبأن حاجة الأغلبية الصامتة لا يمكن أن يلبيها إلا تغيير جذري يستأصل شأفة التهميش الاجتماعي ، والفقر المدقع ، والركود الاقتصادي ؟
الوضعية المهينة للمرأة ، الاستغلال البشع للأطفال ، الشباب العاطل المخدر الذي يزرع الرعب في الأزقة والحارات ،كلها جروح اجتماعية دامية تشهد على بؤس المغرب الفقير . والشبيبة الغارقة في وحل الجريمة هي الوجه الآخر للشبيبة المستبشرة الهاتفة خلال الموكب الملكي .
لصياغة معادلة الوضع المخزني ، واستشراف المستقبل بجدية ، لابد من الاستناد إلى معطيين اثنين :
* أولهما أن الدَّيْن الخارجي الضخم يجثم على ميزانية البلد ، ويشل كل محاولة تصحيحية جادة ، يُسنده في ذلك الغش الإداري والبطء البيروقراطي والفساد المالي ... عاهة مغرب حكام الجبر ولعنة مغرب المستضعفين !
* وثانيها أن الملك الشاب والأمراء و الأميرات شركاء في تركة الرجل الهالك ، لكل منهم نصيب من الثروة القارونية التي خلفها .
* فلنقرن المعطيين حتى تتبدى لنا بدهية الحل الجذري لمشكل الفقر الذي يقض مضجع المغاربة : أن تخصص هذه الثروة الهائلة لتسديد هذا الدَّيْن الثقيل ومحو كابوسه الرهيب . بذلك يرتقي الملك الجديد إلى مقام الأبطال . حينئذ يكون له موعد مع المجد لن يُخْلَفَه !
اقتراح تبسيطي ساذج ؟ أم هو الهوس والجنون ؟
هل للملك الشاب ذي القلب الرحيم همة الأبطال المراودين للمحال ؟ هل يملك من الخيال "الساذج" ما يؤهله للتعالي عن منطق الانهزام والاستسلام ، ليفكر في سياسة أخرى مغايرة يعمل ما في وسعه لتطبيقها .
منذ ما يربو على أكثر من ربع قرن من الآن ، كنت اقترحت على الملك الراحل مثال رجل صالح ، نجمة مضيئة في سماء التاريخ الإسلامي . إنه الرجل الذي تحدى منطق زمانه وعقلية زمانه وحزبه لكي يراجع النظام الذي ورثه ، والأفكار والتقاليد التي كان قد تلقاها من سلالته وذويه . فعل ذلك فرسم لأحداث عصره مسارا جديدا .
عمر بن عبد العزيز منار نستهدي به في تاريخ ما بعد الخلافة الراشدة . نُصِّب ملكا بعد وفاة ابن عمه سليمان بن عبد الملك ، فبان للناظرين معدنه النقي حين استهل عهده برد مال الأمة إلى الأمة ، وأمر الأسرة الملكية بإرجاع أملاكها إلى بيت مال المسلمين ، ابتداء من زوجته التي سارعت -بعد أن بهرها مارأت من ورع زوجها وحزمه- إلى وضع كل حليها عند قدميه .
إنه المثال الذي تقدمت به يوما ما بين يدي الملك الراحل "بسذاجة" فطرية ، والذي أقترحه اليوم دون كثير تفاؤل -أعترف بذلك- على ابنٍ فانٍ يوما ما لا محالة لأب قضى نحبه .
لكن مثال عمر بن عبد العزيز رغم شهرته ليس فريدا في تاريخنا الحافل برجال عظام طبعوه بقوة ، من أمثال يوسف بن تاشفين .
ما أيسر أن نحلل هذا الاقتراح ونوصفه ! لكن محك الواقع يوشك أن يعري عن جسامة المهمة ، إلا إذا ... إلا إذا رنا محمد السادس ببصره إلى العلياء ودشن العهد الجديد بتحرير البلاد من القبضة التي تخنق الحاضر وتحول الأمل في التقدم الحثيث إلى أضغاث أحلام .
هذا المشروع العظيم ، مشروع رد مال الأمة للأمة ، إذا ما حدث أن نما في الضمير الملكي ورفع الساعدُ الفتي لواءه ونافح عنه ، سيمكن الملك الشاب المبتدئ المحاط بالأفاعي الحربائية من الارتقاء إلى مصاف الأبطال المنقذين ، الداخلين إلى التاريخ من أوسع أبوابه ، الداخلين على الله عز وجل من باب الرضى والرضوان .
ولنعلم أن أجل النظام المخزني الحسني لم يحن بعد ، مادامت فيروسات التعفن الإداري تعمل فيه ليلا ونهارا ، ومادام الإدمان على الارتشاء والانتهاب ديدن الموظف المخزني السامي مثلما هو هواية نظيره في أسفل السلم السلطوي . لذا سيستميت هؤلاء وأولئك في الدفاع عن امتيازاتهم وسيحيكون المؤامرة تلو المؤامرة .
لكن بالإمكان تطهير الإدارة الفاسدة ، وبعث الحياة في أوصال جهاز هرم ، وإنشاء نظام للتضامن الاجتماعي يقوم على التنمية والتشغيل بدل الاقتصار على الصدقة العمومية والخصوصية . ذلك إن وفَّى محمد بشرطه .
وبعد أن يخطو الملك الخطوة البطولية الحاسمة ، سيكون له الحق في أن يدعو الجميع إلى التضحية وتحمل المسؤولية والاستقامة والتفاني في سبيل إعادة بناء مغرب جديد ، مغرب ظل حلما يراود المغاربة دهورا طويلة .

عقبات
هل هي هلوسة وتخريف ؟
كلا ! بل هو حل يمليه العقل المتعقل ، حل صعب للغاية ولاشك ! فالعالم الذي نعيش فيه ليس مدينة فاضلة تنتفي فيها الضغوط والمقاومات .
ففي الخارج ، ستتوجس الهيآت المالية الكبرى وشركات الإيداع من مشروع سيهدد مصالحها بتحويل مباغت لأرصدة هائلة ، ولن تلبث أن تقاوم .
لا غرابة في ذلك ، فالإنسان مجبول على التمسك بما يملك من متاع الدنيا .
ليس استرداد الثروة المُودعة في ديار الغرب مجرد حل سياسي متميز ، بل هي قبل ذلك واجب ديني يملي على الوارث الشاب أن يعيد للشعب ما انتهبه "أب العائلة المغربية" الراحل وكدسه . لابد أن يعزم الملك الشاب ذو القلب الطيب والمبادرة الحيوية ، على التفكير جديا في حل جذري لمسألة هذه التركة الثقيلة ، وإلا غاص المغرب في مستنقع الركود والتخلف أكثر مما مضى .
وستبدو وجاهة هذا الاقتراح الجريء للعيان ، سيكتشف الذين لا يرون فيه سوى تخريف محموم أو هذيان مهووس أو مؤشر على جنون حالم أنه عين الحكمة .
أليس من العبث أن تُملأ الدنيا تطبيلا و تزميرا لمؤسسة الحسن الثاني التي ما اختمرت فكرة تأسيسها إلا في رأس مخبول أو ذهن منافق مكار ؟ أليس من المضحك المبكي أن نقرن اسم رجل يعرف الخاص والعام أنه من بين أكبر قوارين هذا الزمان بتدبير المليار اليتيم ثمنِ الرخصة الثانية للهاتف النقال ؟
ألسنا نغتاب هنا رجلا رحل فانطلقت ألسنة السوء تنسب إليه ثروات وهمية ؟
أم هو لغط إعلامي يلهث خلف الإشاعة سعيا نحو الإثارة ؟
فلنعلنها إذن على رؤوس الأشهاد أن الأمر كذب في كذب ! ولنصارح الشعب بالرقم الدقيق أو التقريبي ... لِمَبْلغِ الأملاك المنهوبة !

المفاهيم الجديدة
بما أن "أب الأمة" الشاب يمسك الآن بمفتاح التغيير الحقيقي ، وبما أنه يقترح مفهوما جديدا للسلطة ، فلتكن خطواته موافقة لمفهوم جديد للعدالة وللتوزيع العادل ، توزيع الخيرات على جميع أفراد الأسرة المغربية .
لا مناص له من الالتزام بتصور جديد للاقتصاد والتنمية إذا كان حقا يريد إخراج البلاد من النفق الضيق . فالتعادل الحاصل بين ممتلكات ملك المغرب والدَّين الخارجي للمغرب فضيحة أزكمت رائحتها الأنوف . أصبح الدَّين الخارجي يمتص الآن -بعد تقليص النفقات الناتج عن تطبيق التقويم الهيكلي- حوالي 36% من الناتج الخام للمغرب . وهي النسبة نفسها التي تمكن الاقتصاد المغربي -إذا ما بلغها معدل الادخار الوطني- من الإقلاع بسلام . وتلك معادلة لا يدرك أبعادها المحاسبون الواقعيون المنكبون على أعدادهم الصغيرة ، و إنما يدرك ذلك المغاوير المقتحمون .
فعل واحد ، فعل تاريخي حاسم إذا ما قام به الملك الشاب سيكون كفيلا بتحرير رقبة المغرب من غُل البنك الدولي ، وحمايته من إرهاب هذه المؤسسة الكاسرة التي أرغمته على الخضوع للتقليصات الوحشية رديفة سياسة التقويم الهيكلي وقصمت ظهره بتكلفتها الاجتماعية .
أمام الخراب الاجتماعي الناتج عن استحكام قبضة البنك الدولي على الاقتصاديات المثقلة بالدين ، نحاول أن نخفف من وطأته على الطبقات الفقيرة فنتحدث مرة عن المقاولة المواطِنة ، وندعو مرة ، بل مرات ، إلى حملات التضامن الاجتماعي ...!
فهل تتجاوز يد محمد السادس الممتدة إلى الفقراء تُضمِّدُ جراحهم مرحلة الصدقة المنظمة ؟
هل يتحول الملك يوما ما إلى ملك مواطِن ؟ نعم ، إنه يسوق سيارته بنفسه ويتوقف عند الضوء الأحمر . شيء جميل لكن هل يكون ذلك كفيلا بجعل السلم الاجتماعية يسود في أنحاء البلاد .
سيكون لتصفية ملف الدَّين بالثروة الملكية إيجابيات يعجز اللسان عن عدها . فالاستثمار سينطلق بعد توقف ، والمال المخصص اليوم لتسديد أقساط الديون سيُحَوَّل نحو الاستثمار العمومي ، والتعليم والتربية اللذان نَكَصا بالبلد إلى المرتبة 125 بين بلدان العالم سيطفوان إلى السطح . ستتحسن البنية التحتية المنهارة أو المنعدمة في المناطق القروية ، وسيفك الحصار الاجتماعي والجغرافي المضروب على المناطق المحرومة ليَتراجع مد الفقر الجائع . ستُجَفَّف مستنقعات البطالة بعد أن تُستعمل مضخات أكثر فاعلية من تلك التي تُشَغِّل ألفا من العمال هنا أو مائة من الدكاترة والمنهدسين هناك .
وبعد الضربة الحاسمة ، يستطيع العاهل أن يهجم -مسلحا بالسلطة الأدبية اللازمة والوزن الخلقي المتميز- على الرشوة والفساد اللذين يَبث فيروسَهما الإعلام المغربي . فلا انطلاقة بدون تخليق للسياسة والإدارة والمجتمع . ولا تخليق للرعية ما لم يتخلق الراعي ، ولا فعل هناك يستحق الذكر في صحف التاريخ ما لم يكن فعلا أخلاقيا !
حينئذ يمكننا أن نفكر -متسلحين بالوسائل الاقتصادية والمالية- في الخلاص العام والولوج إلى عهد جديد ... عهد الشفافية والديمقراطية الحق ...
الديمقراطية ؟!
نطقت بالكلمة السحرية ! بالكلمة التعويذة ، بالكلمة المفتاح لكل المغاليق !
لا مجال هنا لمناقشة مبادئ الديمقراطية الحق والتقدم الذي يمكن أن ينتج عن حلولها ببلادنا . فالقاعدة الديمقراطية المتمثلة باختصار في حق الشعب في اختيار حاكمه بكل حرية هي المخرج الوحيد لنا من ظلمة الحكم المطلق . ولا مجال هنا لمحاكمة ديمقراطيةٍ نخرتها العلل في عقر دارها.
حين أتحدث عن القاعدة الديمقراطية فإنني أميز بين المسطرة والتنظيم ، وبين رديفة الديمقراطية الحديثة وخليلتها : اللائكية وتجاهل القيم الروحية والخلقية ؛ فإذا ما أخذنا بالقاعدة والمسطرة ، كان لنا الحق كل الحق في نبذ كل ما يبعدنا عن علة وجودنا وغايته : إسلامنا .
لقد طال تهميشنا من الساحة السياسية . فلنا الحق إذن في التحفظ على إمكانية أن يكفر الملك الشاب عما سلف في حقنا ، لكننا انسجاما مع حكمة الإسلام التي تقبل التدرج في التوبة والإنابة لا نستعجل .
وانسجاما دائما مع هذه الحكمة الإسلامية ، سنظل ثابتين على مبدإ الاقتراح الرصين من موقع "القوة الهادئة" التي تقترح وتدعو . فلينظر العالَم هل الربان الذي يقود السفينة -بعد طرده للقراصنة- هوحقا مستقيم ومتبصر ، ولنبرهن للشعب المكدود المكلوم بأفعال رجولية حاسمة على أن عهد الحكم المتجبر قد ولّى إلى غير رجعة ، وأن نسمة الأمل التي هبت على الشبيبة من قلب الملك الشاب ليست مقدمة لريح صرصر عاتية ، ليوقن هذا الشعب أن ورثة الثروة القارونية لن يذهب بأبصارهم وميض الذهب المنهوب !
لن تسد الثروة الموروثة خرق الدَّين الخارجي الواسع فقط ، بل يمكنها أن تلبي الحاجيات الملحة للمغاربة . وليعلم الملك والأمراء والأميرات أنني حين أقترح عليهم التوبة وإرجاع مال الشعب إلى الشعب لا أطالبهم بإخلاء فيلاتهم ومساكنة المغاربة المحرومين في دورهم الصفيحية البئيسة . فالملك ، ممثل الدولة ، لابد أن يتوفر على الوسائل المادية المناسبة لمركزه . وللأمراء والأميرات -بعد أن يظهروا تضامنهم المشروع مع النموذج المقترح- الحق في امتنان الشعب لهم ، بل سيكونون حينئذ من الفائزين برضى الله عز وجل .
فليقرأ الملك -حفيد النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمن بربه- وليعمل على إقراء ذويه كتاب الله عز و جل و سنة نبيه صلى الله عليه وسلم . فآيات القرآن و تعاليم السنة النبوية تفصل جزاء الحائفين الجائرين و تلعن الظلم و الظالمين . ستكون قراءة "كتاب المظالم" من صحيح البخاري في هذا الشأن موعظة منيرة للجميع .
أتمنى للملك الشاب من العزم والشجاعة ما يمكنه من اقتحام هذه العقبة الكؤود وأُذَكِّره مرة أخرى مودعا :
كفِّر عن مظالم أبيك المسكين وخفف عنه الحساب العسير ! رُدَّ إلى شعبك ما سلب منه ! تُب إلى الله وكفِّر عن خطاياك وخف ملك الملوك ! والله يتولى الصالحين .

ملحوظة :
حررت هذه الصفحات بالفرنسية لأسباب واضحة .
أولها أن الهيآت الدبلوماسية والإعلامية لا تقرأ إلا ما حرِّر بلغة أوربية ... ثم إن هؤلاء السادة والسيدات "المفرنكين" لا يرون في ما ينشر بالعربية سوى ثرثرة ممجوجة ، فهذه اللغة ليست في نظرهم الكليل سوى أداة محلية يتواصلون بها مع الرعاع الأميين .
مهما جهدت لتتواصل مع النخبة المغربة ، فخطابك ليس سوى لغط مبهم مادمت تتحدث بالعربية ، خاصة إذا كنت ملتحيا لا يتشدق بكلام أهل الحرفة الصحفية ولا يتمضمض بالصيغ المهجنة .

ع.ي